آن الأوان للتفكير لما بعد الأزمة!

آن الأوان للتفكير لما بعد الأزمة!

ستكون للأزمة الصحية بسبب الوباء الذي نمر به عواقب عميقة على سير عمل العالم. الحقيقة هي أن ظهور هذا الفيروس في زمن أظهر فيه النظام العالمي مؤشرات مروعة عن نقاط ضعفه ووضعت مصداقيته على المحك.
التفكك الجيوسياسي كان واقعا، أهمها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي أصبح اليوم في دوامة من التقويض وقلة التضامن بين أعضائه.

أضحت العولمة و”الليبرالية الجديدة” اليوم في قفص الاتهام. لقد أصبحت تناقضاتها الداخلية لا تطاق بالنسبة للشعوب حول العالم. العودة إلى القومية الوطنية -وأحيانا بنوع من التطرف- أضحت الملاذ الأخير للسياسات المنتهجة في البلدان التي راجت فيها مثل هذه الأيديولوجيات.

ساهم الوباء الحالي ، في جعل مفهوم الدولة الوطنية حقيقة ملموسة، حيث تتفكك الاتحادات الكبرى بالتراجع ولو جزئيًا واستعادت بعض الدول بعضا من سيادتها المفقودة. الوباء أضحى سببا في التأنيب وتحول إلى فرصة عند البعض الدول للعودة إلى الوراء لوضعية سابقة.

في خضم هذه الموجات العنيفة لتراجع العولمة، يخيم خطر الانهيار النظامي المالي واضطراب الاقتصاد الدولي والتجارة الدولية، وتلوح في الأفق أزمة طاقوية تنبؤ عن واقع جد صعب، و تخيم كذلك التوترات السياسية بما في ذلك النزاعات المسلحة التي أضحت جد واردة. 

وضمن هذا المشهد المليء بتناقضاته على الجزائر أن تفكر بجدية في ذلك المستقبل.

فما العمل ؟

  • لا بد من تسريع الإصلاحات السياسية للتأسيس لشرعية قيادية واستعادة الوحدة الوطنية التي ساهم في تحطيمها النظام السابق.
  • ترسيخ سلطة الدولة من خلال تسيير سياسي، إداري وأمني بما يتماشى مع المطالب الشعبية والمتمثلة في دولة القانون والديمقراطية.

  • إدماج مجالات التنمية في هيكلة على أعلى مستوى من سلطة الدولة، على المدى البعيد، تتجاوز المواعيد الانتخابية على جميع المستويات. وهذا عبر وضع سياسات على مدى 20 إلى 30 سنة تتعلق بالمجالات ذات الصلة الأمن القومي بالمعنى الواسع (الأمن الغذائي، الصحة، الإقليمية والطاقة الخ …). هذه السياسات لابد أن يتبناها قادة سياسيون في إطار توافق وطني غير قابلة للنقاش عند التداول الديمقراطي على السلطة.

بأية وسيلة ؟

الجزائر لديها موارد استثنائية في جميع القطاعات. من جهة أخرى ، تفتقر إلى الرؤية على المدى الطويل وإلى إرادة سياسية  وآلية شرعنة شعبية للسلطة.

بمجرد تنفيذ الإصلاحات السياسية، لابد من تعبئة أجهزة الدولة لدعم وتنظيم القطاعات على سبيل الأولوية إنتاجية أولية (الزراعة، الصناعة الزراعية، المؤسسات الصغيرة والمتوسطة  والخدمات)، خلق نسيج صحي محترم وإعادة تطوير استغلال أفضل للأراضي الزراعية. والهدف من هذا هو مواصلة الحياة مع التقليل من التبعية في استيراد المنتجات المختلفة في أسرع وقت ممكن.

على الصعيد المالي، يمكن أن تستفيد الجزائر من انتعاش غير متوقع في أسعار النفط في الأشهر المقبلة. في الواقع، الضعف الحالي لسعر البرميل يضع مشاريع استخراج الغاز الصخري في مأزق كبير، والتي هي أصلا تعاني عجز في الميزانية ومديونية متفاقمة قد لا تتعافى على الأقل لجزء كبير منها. وهذا يتعلق بأكثر من 70٪ من الإنتاج الأمريكي. وبمجرد العودة إلى الانتعاش الاقتصادي -عند نهاية الأزمة الصحية- يمكن أن يعود الاقتصاد العالمي مرة أخرى إلى استغلال الذهب الأسود. ستعود أسعار النفط الخام إلى الأرتفاع بالنسب المريحة في حدود السنتين على أقصى تقدير. في إطار هذا السياق يجب أن تندرج فيه سياسات الدول المنتجة للنفط. 

في انتظار ذلك، على الجزائر إدارة الأزمة الصحية الحالية بشكل أفضل للخروج بأقل قدر ممكن من الأضرار، سواء على المستوى الإنساني أو الاقتصادي. يجب اتخاذ تدابير وقائية من قبل الحكومة للحفاظ على الآلة الإنتاجية، ولابد من دعم ومساعدة الشركات غير التجارية. لقد بات من الضروري الحفاظ على عمل مراكز الإنتاج حتى التي تعمل بوتيرة بطيئة ولابد  من إعادة بناء النسيج الصناعي على أساس ما هو قائم في الوقت الحالي. 

ومع ذلك، يجب استعادة الثقة مع المواطن في أقرب وقت ممكن، والإبقاء على سياسة مكافحة الفساد بكل أشكاله مع انفتاح وسائل الإعلام والمجال السياسي كجزء من عهد سياسي مع المجتمع السياسي برمته.

حان وقت العمل لأجل توافق وطني حقيقي.

الجزائر 18-03-2020

رئيس الحزب
سفيان جيلالي