صندوق النقد الدولي لم يتغير لكن الخطاب تغير

صندوق النقد الدولي لم يتغير لكن الخطاب تغير

Temps de lecture : 2 minutes

بقلم الدكتور لخضر أمقران، رئيس جيل جديد للجريدة الإلكترونية https://just-infodz.com

 

الاستقبال الفاخر الذي خُصّص للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي (FMI)، كريستالينا جورجييفا، إلى جانب الفرحة المعلنة التي أظهرتها وكالة الأنباء الجزائرية (APS) ومعظم وسائل الإعلام العمومية والخاصة، عقب تصريحاتها الممجّدة عن الاقتصاد الجزائري، يثير تساؤلاً سياسياً جوهرياً: كيف نفسِّر هذا التحوّل الكامل في الخطاب في مدة لا تتجاوز سنة واحدة؟

فمنذ مدة ليست بطويلة، كانت ذات الوكالات الرسمية، والمسؤولون أنفسهم، وذات القنوات الإعلامية التي كانت تُنكر على صندوق النقد الدولي تقديم بيانات «مزوّرة» و«متحيزة» و«معادية للجزائر».

التناقض

كان كل تحليل نقدي للوضع الاقتصادي الوطني يُصدَّر آنذاك باعتباره محاولة تدخّل أو تقويض، أما اليوم، تُستَعمَل ذات الأرقام، عندما تصبح سياسياً ملائمة، لائتِّهامها دليلاً على النجاح و«أسس اقتصادية قومية متينة بالفعل».

إن صندوق النقد الدولي لم يتغيّر، ولا طرقه تغيّرت. الذي تغيّر هو الاستغلال السياسي للخطاب الذي يصدُره. وهذا التناقض يُظهر حقيقة مزعجة: السلطة لا تبني نفسها على رؤية اقتصادية متماسكة وصريحة، بل على توجّه اتصالي انتهازي، حيث تُتَّهم المؤسسة الدولية أحياناً بالعداء، وتُمجدها أحياناً أخرى، وفقاً لاحتياجات اللحظة.

بين الشعارات والواقع

فقد خلف صيغ التهدئة والتطمين بشأن الاستثمار، والرقمنة، أو الصادرات غير الهيدروكربونية، واقع اقتصادي واجتماعي يعيشه المواطن يومياً، وهو أكثر تعقيداً:

  • – تآكل القوة الشرائية،
  • – استمرار البطالة، خاصة في أوساط الشباب حاملي الشهادات،
  • – اقتصاد لا يزال يعتمد إلى حد كبير على الهيدروكربون،
  • – مناخ استثماري مهّدد بضعف الاستقرار التشريعي ونقص الثقة،
  • – خدمات عمومية تحت ضغط.

ولا يمكن إخفاء هذه الحقائق عبر البلاغات الانتصارية ولا عبر العروض البروتوكولية; ولا يمكن خصوصاً طمسها للأبد عن شعب يعيش تداعياتها مباشرة.

ضرورة الحوار الاقتصادي

إن المشكلة الحقيقية ليست فيما يقوله صندوق النقد الدولي اليوم، بل في غياب الصدق والثبات في الخطاب الرسمي.

فلا يجوز لدولة جادة أن تُقدّم، سنة بعد أخرى، مؤسسة دولية كعدٍو للدولة، ثم تبتهج بها وكأنها ختم مصداقية اقتصادية، دون أن تفسّر للجمهور سبب هذا التحوّل.

الجزائر بحاجة إلى حوار اقتصادي صادق، شفاف، ومسؤول. هي بحاجة إلى مؤسسات قوية، وسياسات عمومية قابلة للقياس، وقبل كل شيء، إلى خطاب سياسي يحترم ذكاء المواطنين. وعندها فقط يمكن أن تغدو حقيقياً «أسس الاقتصاد الجزائري متينة»، لا في البلاغات، بل في واقع حياة المواطنين.

رضا وتساؤلات

ومن هنا، تبرز عدة أسئلة مشروعة تستدعي إجابات واضحة:

– لماذا قُدّم صندوق النقد الدولي، قبل سنة من الآن، كمؤسسة تقدّم أرقاماً «مزوّرة» وتحليلات «معادية للجزائر»، بينما يصير اليوم مرجعاً تنتهجه أعلى السلطات و«وآ.ب.س»؟

– ما الذي تغيّر بالفعل في الاقتصاد الوطني بين الأمس واليوم: هل الأسّاسيات الاقتصادية، أم فقط الخطاب الرسمي؟

– على أيّ أساس ملموس يرتكز هذا الشعور بالرضا، في حين تظل الغالبية العظمى من الجزائريين تواجه غلاء المعيشة، ونقص فرص العمل، وحالة عدم اليقين الاقتصادي؟

– كيف يُتَحَدّث عن تشجيع الاستثمار، بينما يظل الاستقرار التنظيمي مفقوداً، والرؤية غير واضحة، وثقة المؤسسة ضعيفة، ما يبطّئ المبادرات الوطنية والأجنبية على حد سواء؟

– كيف يؤتَى بتصدير خارج الهيدروكربون كرافعة استراتيجية، دون عرض تقرير واضح ومستدام وقابل للتحقق عن أثره الحقيقي على الاقتصاد والتشغيل؟

– متى سيتبنّى الجهاز السياسي خطاباً صادقاً وثابتاً ومسؤولًا، بدل التنقّل بين النفي، والرضا عن الذات، واستغلال المؤسسات الدولية؟

إن هذه الأسئلة لا تصدر عن نزعة تجنيبية أو عدائية، بل عن واجب سياسي يتعلّق بالشفافية، واحترام المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على التصفيق لخطاب رسمي يتناقض جذرياً مع واقعهم اليومي.