إن استهداف الإعانات الاجتماعية والدعم، الذي تم تأجيله طويلاً، يبدو أنه عاد مجدداً إلى الواجهة. فبعد أن أُدرج دون أثر فعلي في قانون المالية لسنة 2022، أُعيد طرحه خلال النقاش البرلماني المتعلق بمشروع قانون المالية لسنة 2026، قبل أن يتطرق إليه رئيس الجمهورية مجدداً يوم السبت 7 فيفري 2026.
رسميًا، يُقدَّم هذا التوجه على أنه مسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، أي توجيه المال العام إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه، بدل أن يستفيد منه الأغنياء والفقراء على حد سواء.
لكن في الواقع، فإن هذا التحول غير المعلن هو بالأساس مفروض بفعل الوضعية المالية والميزانية.
لقد بُني قانون المالية لسنة 2026 في سياق اختلالات هيكلية عميقة. إذ يتوقع ميزانية بنفقات قياسية تفوق 17.636 مليار دينار، أي ما يعادل حوالي 42٪ من الناتج الداخلي الخام، في حين لا تتجاوز الإيرادات 8.009 مليار دينار، يعتمد جزء كبير منها على قطاع المحروقات.
ويؤدي هذا الوضع إلى عجز ميزاني مرتفع جدًا يُقدَّر بـ 5.186,6 مليار دينار سنة 2026، أي ما يقارب –12,4٪ من الناتج الداخلي الخام، رغم اعتماد فرضية حذرة لسعر برميل النفط عند 60 دولارًا.
لقد قلنا ذلك مرارًا خلال السنوات الماضية: في ظل هذه المعطيات، فإن مواصلة دعم جميع فئات المجتمع دون تمييز أصبحت غير قابلة للاستمرار. فهذا النموذج مكلف وغير فعّال، ولا يقطع مع منطق الريع، بل يمدّ في عمره، وهو ما يشكل نقطة ضعف بنيوية خطيرة.
فالدعم الشامل، من الوقود إلى المواد الاستهلاكية الأساسية، يمثل جزءًا كبيرًا من النفقات العمومية، لكنه يستفيد منه المحتاجون كما يستفيد منه الميسورون، والمؤسسات المربحة، بل وحتى شبكات التهريب. وبعبارة أخرى، الدولة تهدر أموالاً طائلة دون أثر اجتماعي موجّه فعليًا.
لماذا الآن؟ لأن هامش المناورة، رغم الخطابات، يتقلص بشكل واضح. فالعائدات النفطية لم تعد قادرة على إخفاء الاختلالات الهيكلية، واللجوء المفرط إلى التمويل الداخلي أو إلى طباعة النقود سيكون مغامرة سياسية واقتصادية خطيرة (تضخم، تدهور القدرة الشرائية، انخفاض الاستهلاك وبالتالي الإنتاج، بطالة وتوترات اجتماعية).
لم يعد الإصلاح الجزئي أو تصحيح بعض الآثار الظاهرة كافيًا.
فما يُقدَّم اليوم على أنه إصلاح تقني تقوده الرقمنة وتحديد المستفيدين الحقيقيين، هو في الواقع ضرورة محاسبية واستراتيجية أكثر منه خيارًا أيديولوجيًا. إن الاستمرار في تسيير نظام تُمثل فيه الأجور العمومية نحو ثلث الميزانية، وتستنزف فيه التحويلات الاجتماعية حصة معتبرة من الموارد، يتعارض مع أي مسار نمو مستدام.
ولماذا لم يتم هذا الاستهداف في وقت سابق؟ الجواب سياسي بقدر ما هو اقتصادي. فطيلة سنوات، شكّلت الإعانات الشاملة سلامًا اجتماعيًا مصطنعًا، حافظ على قدر من الاستقرار عبر امتصاص السخط الشعبي، رغم تكلفته الباهظة. وكان المساس بهذا العقد الاجتماعي الضمني محفوفًا بالمخاطر سياسيًا ومكلفًا انتخابيًا، طالما كانت الاحتياطات المالية تسمح بالمماطلة. أما اليوم، فقد بدأت هذه الاحتياطات في التآكل، ولم تعد التبعية للمحروقات تخفي الاختلالات كما في السابق.
اليوم، وحتى وإن تغيّر الخطاب بشكل انتهازي، فإن المعادلة تبقى شديدة الحساسية.
فالدعم يقع في صميم العقد الاجتماعي الجزائري. والمساس به، ولو بشكل طفيف، دون نقاش عمومي ودون آليات تعويض، يعني تجاوز خط أحمر اجتماعي. وما حدث مؤخرًا بخصوص أسعار الوقود كان إشارة سياسية قوية أثبتت أنه لا يمكن إصلاح ما يمس الحياة اليومية لملايين المواطنين عبر خطوات صامتة ومتفرقة.
إن استهداف الإعانات لا يجب أن يكون غاية في حد ذاته، بل أداة إضافية لتحسين النفقات العمومية وتحمل الدولة كامل مسؤوليتها التضامنية تجاه الفئات المعنية.
ولا ينبغي أن يتحول هذا الإصلاح إلى مجرد اقتطاع ميزاني مقنّع يهدف فقط إلى استرجاع جزء من هذا الغلاف المالي الضخم لسدّ عجز ناتج عن سوء تسيير، في تعارض تام مع المنطق الاقتصادي السليم.
وباعتباره في صميم العقد الاجتماعي الجزائري، فإن هذا الإصلاح يتطلب نقاشًا سياسيًا واسعًا وشفافًا حول معايير الاستهداف، وآليات التعويض لفائدة الفئات الهشة، ومراحل التنفيذ. ودون ذلك، فإننا نخاطر بتعريض ملايين الجزائريين لشعور بتقشف غير عادل، في حين أن التحدي الحقيقي هو الانتقال من نموذج اقتصادي قائم على الريع إلى نموذج قائم على الإنتاج والاستثمار والابتكار، بما يسمح بخلق الثروة بشكل مستدام، وتوفير مناصب شغل منتِجة، وضمان مستوى معيشة لائق لكافة المواطنين، دون الارتهان الحصري لتقلبات أسعار النفط.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي ليس في الإعلان عن الإصلاح، بل في تنفيذه الفعلي، بما يجسد شرطين أساسيين: حماية حقيقية للفئات الأكثر هشاشة، وقدرة الدولة على تحمّل سياسيًا نهاية منطق “الدعم الشامل للجميع”.
زهير رويس
نائب رئيس جيل جديد
بقلم الدكتور لخضر أمقران، رئيس جيل جديد للجريدة الإلكترونية https://just-infodz.com الاستقبال الفاخر الذي خُصّص للمديرة…
يسرّ جيل جديد أن يضع بين أيديكم وثيقة: «موقف حزب جيل جديد من مشروع القانون…
صدور النشرة الاقتصادية الجزائرية للنصف الثاني من عام 2025! يغطي هذا التقرير الشامل عدة محاور…
يتابع الرأي العام، وبقلق بالغ، توالي القرارات المتناقضة والمتعاكسة لبنك الجزائر، وآخرها المذكرة الصادرة بتاريخ 4…
الحوار الصادق والمسؤول، وحتى المفاوضات الشجاعة، ليست ضعفًا ولا تنازلًا، بل خيارًا وطنيًا استراتيجيًا لحماية…
تأتي مسألة الجنسية في صميم العقد السياسي بين الدولة والمواطنين. فهي لا تنتمي إلى مجال…