من الذهب الأسود إلى ذهب الشمس
تتأخر الجزائر بشكل كبير في أن تصبح واحدة من أكثر الدول تقدمًا في العالم في مجال إنتاج الطاقة الشمسية.
فعلى الرغم من أن الجزائر تتمتع بأحد أعلى معدلات سطوع الشمس في العالم، بأكثر من 3000 ساعة سنويًا على معظم أراضيها، إلا أنها تسجل تأخرًا مقلقًا في تطوير الطاقة الشمسية.
هذا التناقض بين الإمكانات الاستثنائية والإنجازات المحدودة يعكس اختلالات هيكلية ومؤسساتية واستراتيجية تعرقل الانتقال الطاقوي الوطني.
ففي الوقت الذي يمتلك فيه البلد صحراء قادرة وحدها على إنتاج آلاف الجيغاواط من الكهرباء الخضراء، تبقى المنشآت الكهروضوئية محدودة، وغالبًا ما تكون رمزية، وبعيدة كل البعد عن الأهداف المعلنة في الخطط الرسمية.
هذا التأخر المتراكم يكشف ليس فقط عن غياب رؤية طويلة المدى، بل أيضًا عن استمرار الاعتماد على الطاقات الأحفورية، وهو ما يهدد استدامة النموذج الاقتصادي الجزائري ومكانة البلاد في مسار الانتقال الطاقوي العالمي.
الجزائر، هذا البلد-القارة الذي تزيد مساحته عن 2.3 مليون كيلومتر مربع، منها ما يقارب 85٪ مناطق صحراوية، تمتلك واحدًا من أكبر المخزونات الشمسية في العالم.
هذا الإمكان النظري يمكن أن يسمح للبلاد بأن تصبح فاعلًا طاقويًا رئيسيًا، ليس فقط في إفريقيا، بل أيضًا في السوق الأورو-متوسطي.
غير أن الواقع مختلف تمامًا؛ فالقدرة المركبة في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية لا تتجاوز بضع مئات من الميغاواط، وهو رقم بعيد جدًا عن الطموحات المعلنة التي تتحدث عن عدة جيغاواط في الخطط المتعاقبة للانتقال الطاقوي.
ويُعزى هذا الوضع أولًا إلى بطء إداري ومؤسساتي. فالمشاريع الشمسية، التي يُعلن عنها غالبًا بزخم إعلامي كبير، تجد صعوبة في التجسيد الميداني بسبب البيروقراطية، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وعدم استقرار الإطار التنظيمي.
كما أن غياب إطار قانوني واضح ومحفّز للمستثمرين، سواء كانوا وطنيين أو أجانب، يحدّ بشكل كبير من ديناميكية هذا القطاع.
يُضاف إلى ذلك أن الرؤية الطاقوية لا تزال خاضعة لهيمنة المحروقات، التي شكلت تاريخيًا ركائز الاقتصاد الوطني. فقد ساهمت وفرة النفط والغاز في تكريس تبعية هيكلية، مما أرجأ تنويع مصادر الطاقة نحو الطاقات المتجددة إلى مرتبة ثانوية.
وقد تُرجم هذا الاعتماد إلى نوع من التحفظ السياسي والاقتصادي، يفضل الحفاظ على الوضع القائم بدل الاستثمار في نموذج أكثر استدامة.
كما تمثل النقائص التكنولوجية والصناعية عائقًا رئيسيًا آخر.
فالجزائر لا تزال تستورد شبه كامل معداتها الكهروضوئية، وتفتقر إلى صناعة محلية مهيكلة في هذا المجال. كما أن ضعف البحث التطبيقي، وقلة الشراكات الدولية المتينة، وغياب منظومة تكوين متخصصة، كلها عوامل تحدّ من تطوير الكفاءات الوطنية في هذا المجال الاستراتيجي.
وأخيرًا، يجب الإشارة إلى غياب الاستمرارية في الاستراتيجية الوطنية.
فكل حكومة أو وزارة تبدو وكأنها ترغب في إطلاق “خطتها الشمسية” الخاصة بها، دون تقييم حقيقي للبرامج السابقة أو تنسيق بعيد المدى. هذا الاضطراب يضعف مصداقية البلاد أمام المستثمرين ويعرقل أي تخطيط مستدام.
إن تأخر الجزائر في استغلال إمكاناتها الشمسية ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتيجة لعجز في الحوكمة والرؤية والإرادة السياسية. وفي وقت تتسارع فيه وتيرة الانتقال الطاقوي عالميًا، فإن الاستمرار في هذا الجمود يعني رهن المستقبل الاقتصادي والبيئي للبلاد.
الاستثمار في الطاقة الشمسية يعني الاستثمار في الاستقلال الطاقوي، وفرص العمل المحلية، والاستدامة.
لم يعد أمام الجزائر ترف الانتظار: فالشمس التي تغمر أراضيها لا يجب أن تبقى مجرد ثروة جغرافية، بل ينبغي أن تتحول إلى مورد استراتيجي مُتحكَّم فيه.
إن مقارنة الإمكانات الشمسية بالإنجازات الكهروضوئية في الجزائر تُظهر بوضوح أن بلادنا لديها كل المقومات لجعل الطاقة الشمسية أحد الركائز الأساسية لاستقلالها الطاقوي، ولتصبح دولة كبرى مصدّرة للطاقة الخضراء.
بعض الأرقام:
- متوسط سطوع الشمس السنوي: بين 3000 و3500 ساعة سنويًا، وهو معدل يفوق بكثير العديد من الدول المجاورة.
- المساحة الصحراوية القابلة للاستغلال: حوالي مليوني كيلومتر مربع، بقدرة تقديرية تتجاوز 13,000 جيغاواط، وهي من الأكبر عالميًا.
- القدرة الكهروضوئية المركبة حاليًا: حوالي 500 ميغاواط.
- الهدف الرسمي لسنة 2030: 15,000 ميغاواط.
- الإنتاج السنوي النظري للطاقة الشمسية: حوالي 170,000 تيراواط/ساعة، بينما الإنتاج الفعلي أقل من 1 تيراواط/ساعة (أي أقل من 0.001٪ من الإمكانات).
- حصة الطاقة الشمسية في المزيج الطاقوي الوطني: أقل من 1٪، وهي نسبة ضعيفة جدًا.
تعكس هذه الأرقام حجم التأخر الهيكلي. فبالرغم من أن الإمكانات النظرية تسمح بإنتاج يفوق الاستهلاك الوطني بأكثر من 60 مرة، فإن الجزائر تكاد تكون غائبة عن السوق الشمسية الإفريقية.
في المقابل، هناك دول لا تمتلك حتى نصف معدل سطوع الشمس أو المساحة التي نملكها، ومع ذلك تتقدم بخطى سريعة، معتبرة أن إنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية الكهروضوئية خيار آمن ومربح.
إن الجزائر، بالإمكانات الهائلة التي تتوفر عليها، مطالَبة باعتماد سياسة إرادية أكثر انفتاحًا على الاستثمار، وطنيًا ودوليًا، حتى تتمكن من أن تصبح القائد الحقيقي والفعلي للانتقال الطاقوي في إفريقيا وحتى في الفضاء الأورو-متوسطي.
على الجزائر أن تتحرر من نموذجها الطاقوي القائم على المحروقات، وأن تتجه بقوة نحو تنويع إنتاجها الكهربائي.
لقد حان الوقت للخروج من هذا “السجن الذهبي”، وجعل الطاقة الشمسية مشروع مستقبل وأولوية استراتيجية، من أجل ترك إرث طاقوي مريح للأجيال القادمة، لأن الطاقة الأحفورية قابلة للنضوب، بخلاف الشمس التي ستواصل الإشعاع فوق رؤوسنا لما يقارب خمسة مليارات سنة.
أ. وارد

