- -كيف تصفون الواقع السياسي الحالي في الجزائر؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الحياة الحزبية اليوم؟
نحن نعتبر أن الواقع السياسي في الجزائر لا يزال موسومًا بانكماش الفضاء العمومي واستمرار فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالحياة الحزبية، رغم وجودها القانوني، تعاني من قيود بنيوية تجعل دورها في التأطير والاقتراح محدودًا.
التحدي الجوهري اليوم هو الانتقال من منطق إدارة التعددية إلى منطق الاعتراف الفعلي بها، ومن الضبط الإداري للفعل السياسي إلى ضمانه دستوريًا، بما يسمح ببناء حياة سياسية حقيقية قادرة على إنتاج الاستقرار عبر المشاركة، لا عبر الإقصاء.
- -ندّد حزب جيل جديد بعدم استدعائه لإثراء مشروع قانون الأحزاب والتعديلات ذات الطابع التقني للدستور. في رأيكم، ما خلفيات هذا الإقصاء؟ وهل يعكس خللًا في آليات التشاور السياسي؟
نحن لا ننظر إلى عدم إشراكنا في هذه اللقاءات كحادث إداري أو سهو تقني، بل نعتبره مؤشرًا سياسيًا مقلقًا يعكس خللًا بنيويًا في آليات التشاور وصناعة القرار في الجزائر.
أولًا، من الناحية الشكلية ، تم تنظيم لقاءات قُدّمت على أنها «تشاورية»، لكنها في الواقع اقتصرت على طيف محدود من الأحزاب، أغلبها إما ممثَّل في البرلمان أو مصنَّف ضمن ما يُسمّى بـ«أحزاب الموالاة الوظيفية». هذا الانتقاء يُفرغ مبدأ التشاور من مضمونه، ويحوّله إلى إجراء شكلي يهدف إلى إضفاء شرعية مسبقة على خيارات جاهزة.
ثانيًا، من الناحية السياسية، إقصاء حزب مثل جيل جديد، المعروف بمواقفه النقدية ومساهماته المكتوبة والمعلَنة حول الدستور، الانتخابات، وبناء دولة القانون، لا يمكن فصله عن رغبة واضحة في تحييد الأصوات التي تطرح أسئلة جوهرية حول توازن السلطات، استقلالية الهيئة الانتخابية، شروط النزاهة والشفافية، وحدود تدخل الإدارة في المسار السياسي.
بمعنى آخر، الإقصاء لم يكن اعتباطيًا، بل يعكس تصورًا ضيقًا للتعددية، يُفضّل الانسجام الظاهري على النقاش الحقيقي.
ثالثًا، من حيث المبدأ الدستوري، القوانين العضوية، وعلى رأسها قانون الانتخابات، والتعديلات الدستورية، لا تخص الأحزاب الممثَّلة في البرلمان فقط ( و جيل جديد ممثل في البرلمان وفي المجالس المحلية البلدية والولائية )، بل تؤسس لقواعد اللعبة السياسية برمّتها. وإقصاء فاعلين سياسيين معتمدين قانونًا، وناشطين فعليًا في الساحة، يُعدّ إخلالًا بروح الدستور، حتى وإن لم يُخالف نصوصه حرفيًا.
رابعًا، من حيث النتائج، هذا الأسلوب في التشاور يُضعف شرعية النصوص المنتَجة، و يُكرّس فجوة الثقة بين السلطة والفاعلين السياسيين، ويعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي كان أحد أسباب الأزمة السياسية العميقة في البلاد.
الغريب في الأمر هو أن حزب جيل جديد تم دعوته من طرف لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات للمجلس الشعبي الوطني لمناقشة والإدلاء برأيه حول مشروع قانون الأحزاب السياسية ، ولبينا الدعوة وأدلينا باقتراحاتنا حول الموضوع مدوّنة في عشر صفحات…
نحن نؤكد أن الإصلاح لا يُبنى بالإقصاء ولا بالانتقاء، وأن أي مسار يُقصي قوى سياسية حقيقية ومواقف نقدية مسؤولة، هو مسار محكوم عليه بإعادة إنتاج نفس الاختلالات، مهما كانت نواياه المعلنة.
التشاور الذي لا يشمل كل الفاعلين الحقيقيين ليس تشاورًا، بل تزكية شكلية لقرارات مسبقة. والدستور وقانون الانتخابات لا يُفصَّلان على مقاس لحظة سياسية، بل على مقاس السيادة الشعبية.
- –ما موقف حزبكم من مشروع قانون الأحزاب الجديد؟ وهل تعتقدون أنه سيعزز التعددية السياسية أم سيعيد إنتاج القيود السابقة؟
موقفنا واضح: نحن لا ننطلق من رفض مبدئي، بل من قراءة دستورية وسياسية مسؤولة.
المشروع يتضمن بعض الأحكام الإيجابية، لكنه في جوهره لا يزال متأثرًا بمنطق الوصاية والاحتراز، من خلال توسيع السلطة التقديرية للإدارة، واعتماد الترخيص المقنّع بدل الإخطار، وتشديد القيود على النشاط الحزبي.
نعتقد أن هذا التوجه قد يعيد إنتاج القيود السابقة، بدل أن يؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الثقة في الفعل السياسي المنظم.
- -ما تقييمكم لمقترح التعديلات الدستورية الأخيرة؟ وكيف يمكن أن تؤثر على التوازن بين السلطات وعلى المشهد المؤسساتي عمومًا؟
نحن نرفض من حيث المبدأ توصيف هذه التعديلات بـ«التقنية»، لأن هذا الوصف يُفرغ النقاش من مضمونه السياسي والدستوري الحقيقي. فالدستور ليس نصًا إداريًا يُعدَّل حسب متطلبات الظرف، بل هو التعبير الأسمى عن السيادة الشعبية وأساس العقد السياسي بين الدولة والمواطنين.
الأخطر في هذه المراجعات ليس فقط مضمونها، بل المنهجية التي تُدار بها. فقد أصبحت مراجعة الدستور، للأسف، ممارسة سياسية شبه دورية، تُفصَّل في كثير من الأحيان على مقاس توازنات مرحلية، وهو ما يحوّل القانون الأساسي من ميثاق دائم إلى أداة تكيّف سياسي.
إن استمرار هذا الاضطراب الدستوري يعكس نظرة أداتية للقانون الأساسي، ويقوّض استقرار المؤسسات، ويُضعف الثقة الشعبية. فلا يمكن الادّعاء ببناء دولة قانون قوية، في حين يُعاد فتح الدستور مع كل عهدة رئاسية، خارج نقاش وطني شامل وشفاف وتعددي.
نحن نؤكد بوضوح: أي تعديل دستوري لا ينبثق من إرادة شعبية معبَّر عنها بحرية، ولا يُناقش في فضاء سياسي مفتوح، ولا يعيد التوازن الحقيقي بين السلطات، يبقى تعديلًا ناقص الشرعية ومحدود الأثر، مهما كانت تسميته.
- – كيف يمكن عمليًا تعزيز نزاهة الانتخابات وضمان تمثيل حقيقي وعادل لكل القوى السياسية؟
نزاهة الانتخابات لا تختزل في الإجراءات التقنية، بل هي مسار سياسي متكامل يبدأ بـحياد فعلي للإدارة، استقلال حقيقي للهيئات المشرفة، وفتح الإعلام العمومي على أساس المساواة، وكذا ضمان رقابة فعالة قبل الاقتراع و أثناءه وبعده.
من دون هذه الشروط، يصعب الحديث عن تمثيل حقيقي يعكس الإرادة الشعبية.
- -كيف تقيّمون الوضع الحقوقي في الجزائر اليوم، خصوصًا فيما يتعلق بحرية التعبير والعمل السياسي والإعلامي؟
الوضع الحقوقي في الجزائر مقلق ولا يمكن تبريره بخطاب الاستقرار أو الأمن. فالتضييق المتزايد على حرية التعبير، وملاحقة الآراء السياسية والإعلامية، وتقييد العمل الحزبي والنقابي، يشكّل انحرافًا خطيرًا عن مقتضيات دولة القانون.
لقد أكدنا مرارًا أن الدولة القوية لا تحتاج إلى ترهيب المجتمع ولا إلى قوانين استثنائية لإسكات الأصوات. فالقانون، حين يتحول من أداة حماية إلى وسيلة ضغط، يفقد شرعيته الأخلاقية، ويصبح عامل توتر بدل أن يكون ضمانة للاستقرار.
إن تقييد الحريات لا يحمي الدولة، بل يُضعفها، لأنه يضرب في العمق الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويغلق قنوات التعبير السلمي، ويدفع المجتمع نحو الانسداد. والتجارب التاريخية، داخل الجزائر وخارجها، أثبتت أن الاستقرار القائم على التضييق هشّ بطبيعته.
نحن نرى أن أي إصلاح سياسي حقيقي يبدأ حتمًا باحترام الحريات الأساسية: حرية التعبير، حرية التنظيم، وحرية العمل السياسي والإعلامي. بدون ذلك، تبقى كل الخطابات عن الإصلاح والديمقراطية مجرّد شعارات بلا مضمون.
إن بناء دولة قوية لا يمر عبر تقييد المجتمع، بل عبر تحرير الطاقات، وإدارة الاختلاف بالحوار، لا بالقمع. فالديمقراطية ليست تهديدًا للاستقرار، بل شرطه الأساسي.
- -كيف تقيّمون الأداء الاقتصادي للجزائر خلال السنوات الأخيرة؟ وما أبرز نقاط القوة والاختلال؟
الاقتصاد الجزائري لا يزال هشًا وبنيويًا تابعًا للمحروقات. التحسن الظرفي المرتبط بالأسعار لا يعوّض غياب إصلاحات هيكلية حقيقية.كما أن تذبذب السياسات النقدية وغياب الاستقرار في القرارات الاقتصادية يضعف الثقة، وهي أساس أي استثمار أو نمو مستدام. لا اقتصاد قوي دون حوكمة، شفافية، واستقرار.
- –تم مؤخرًا إطلاق مشروع غارا جبيلات. ما قراءتكم الاستراتيجية لهذا المشروع؟ وهل يمكن أن يشكل خطوة حقيقية نحو تنويع الاقتصاد بعيدًا عن المحروقات؟
مشروع غارا جبيلات يُعدّ من حيث الحجم والاحتياطي أحد أكبر المشاريع المنجمية في إفريقيا، ويمكن أن يشكّل تحوّلًا استراتيجيًا للاقتصاد الجزائري نظريًا، لكن نجاحه فعليًا يبقى رهينًا بخيارات سياسية واقتصادية دقيقة.
الإشكال الأساسي لا يكمن في المشروع في حد ذاته، بل في النموذج الاقتصادي الذي سيُدرج ضمنه. فإذا تمّ التعامل مع غارا جبيلات كـمشروع استخراج خام موجّه للتصدير، يعتمد على شركاء أجانب دون نقل حقيقي للتكنولوجيا، ويبقى مفصولًا عن نسيج صناعي وطني، فإننا سنكون أمام إعادة إنتاج موسّعة للنموذج الريعي، ولكن هذه المرة في قطاع المناجم بدل المحروقات.
أما التحوّل الحقيقي، فلا يمكن أن يتحقق إلا إذا أُدرج المشروع ضمن سلسلة قيمة صناعية متكاملة، تشمل تحويل الحديد محليًا (صناعة الصلب ومشتقاته)، وربط المشروع بسياسة صناعية وطنية واضحة، وكذا استثمار العائدات في تنويع القاعدة الإنتاجية، لا في تمويل النفقات الجارية، ونقل التكنولوجيا وتكوين كفاءات وطنية مستدامة.
كما نلفت الانتباه إلى بُعد أساسي غالبًا ما يُهمَل، وهو الحوكمة. فمشروع بهذا الحجم، في غياب الشفافية، الرقابة البرلمانية، والتقييم الاقتصادي المستقل، قد يتحول من فرصة سيادية إلى مصدر اختلالات جديدة.
غارا جبيلات يمكن أن يكون قاطرة للتنويع، أو منجمًا جديدًا للريع. الفارق بين الخيارين ليس تقنيًا، بل سياسي واستراتيجي بامتياز.
- -ما هي رؤيتكم الشاملة لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على النفط والغاز؟ وكيف يمكن خلق مناخ جاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية؟
نحن نعتبر أن الإشكال الإقتصادي في الجزائر ليس نقص الموارد، بل غياب النموذج.
فالإقتصاد الوطني يعاني من تبعية مفرطة للريع، وضعف الإنتاجية،وغياب الاستقرار التشريعي والنقدي، وبيروقراطية تُعطّل المبادرة بدل تنظيمها، وانفصال بين القرار الاقتصادي والفاعلين الحقيقيين في الميدان.
تنويع الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق بالشعارات ولا بإعلان المشاريع الكبرى فقط، بل يقتضي تحوّلًا عميقًا في فلسفة التسيير الاقتصادي، يقوم على أربع ركائز مترابطة:
- الاستقرار قبل التحفيز: لا استثمار بدون استقرار: استقرار تشريعي (قوانين لا تتغير حسب الظرف)،واستقرار نقدي (سياسة واضحة لبنك الجزائر)، واستقرار سياسي يخلق الثقة. فالاستثمار يهرب من الغموض أكثر مما يبحث عن الامتيازات.
- الانتقال من اقتصاد الدولة الراعية إلى الدولة المنظِّمة: الدولة يجب أن تنسحب من التسيير المباشر، وتُركّز على التنظيم، الرقابة، وضمان المنافسة العادلة.فالاقتصاد لا يُدار بالمراسيم، بل بالقواعد الواضحة والمتساوية.
- القطاعات ذات الأولوية الواقعية: نحن ندعو إلى تنويع ممكن لا نظري، يرتكز على الصناعة التحويلية المرتبطة بالموارد المحلية، والفلاحة ذات القيمة المضافة العالية، والاقتصاد المعرفي والخدمات الحديثة، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كعمود فقري للتشغيل.
- ربط الاقتصاد بالإصلاح السياسي : هذه نقطة جوهرية .لا يمكن خلق مناخ استثماري جاذب في ظل ضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، وتضييق الفضاء العام، وتذبذب السياسات. فالاقتصاد ليس معزولًا عن السياسة، والمستثمر — محليًا كان أو أجنبيًا — يقرأ أولًا مؤشرات الحكم الرشيد قبل الأرقام الاقتصادية. مشكل الاقتصاد الجزائري ليس في غياب المشاريع، بل في غياب الرؤية. ولا في نقص الموارد، بل في سوء إدماجها ضمن نموذج إنتاجي مستدام. والتنويع الحقيقي لا يبدأ من المناجم، بل من الحوكمة.
- تواجه الجزائر تحديات أمنية في محيط إقليمي معقد. كيف تقيمون أداء الدبلوماسية الجزائرية في التعامل مع هذه التحديات؟ وما الرهانات الأساسية التي يجب التركيز عليها في المرحلة المقبلة؟
يمكننا القول إن الدبلوماسية الجزائرية تتحرك في سياق إقليمي معقد يتسم بعدة موازنات متشابكة:
- التشبّث بمبادئ السياسة الخارجية : الجزائر تؤكد باستمرار التزامها بالسياسة الخارجية القائمة على احترام سيادة الدول، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، التمسك بالقانون الدولي، ودعم الحقوق المشروعة للشعوب، خصوصًا القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية. هذا الالتزام يكرّس موقفًا إقليميًا ثابتًا، يعكس رغبة في أن تكون الجزائر فاعلًا مستقلًا في السياسة الإقليمية وليس تابعًا لمحاور خارجية.
- الاستقرار الإقليمي وتعزيز العلاقات الجوارية : الجزائر عملت بنشاط خلال السنوات الأخيرة لتعزيز علاقاتها مع دول الجوار كـتونس وليبيا، معتبرة أن استقرار هذه الجبهات هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وجزء من مساهمتها في الاستقرار الإقليمي الأوسع.
- تحديات المعادلات الإقليمية المعاصرة : على الرغم من هذا الحضور، تواجه الدبلوماسية الجزائرية صعوبات حقيقية، منها: تحولات في موازين القوى في شمال إفريقيا، خصوصًا مع تصاعد النفوذ المغربي في بعض القضايا الإقليمية، وهو ما أثار حساسية متجددة في السياسة الخارجية الجزائرية، إضافة إلى تعدد التوازيات بين الأمن، الاقتصاد، والدبلوماسية وسط تغيّر أولويات القوى الكبرى في المنطقة، ما يتطلب من الجزائر إعادة تكييف أدواتها الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى. وأخيرا، الحاجة إلى ربط الثقل الدبلوماسي بالنفوذ الاقتصادي والسياسي القادر على التأثير العملي في مجالات مثل الأمن، الهجرة، والتعاون عبر الحدود.
- العلاقة بين السياسة الخارجية والشرعية الداخلية يبقى عاملٌ مركزي في أداء الدبلوماسية الجزائرية هو ترابطها بالشرعية الداخلية. أي قدرة للحكومة على صنع قرار دبلوماسي قوي وموحد مرتبط بمدى تماسكها السياسي، واحترام الحقوق والحريات داخليًا. فلا يمكن للموقف الخارجي أن يكون فعالاً دون مصداقية داخلية .
يمكن القول في الختام أن أداء الدبلوماسية الجزائرية يظهر حرصًا على تثبيت مبادئ ثابتة في السياسة الخارجية تعليقًا على الهويات الإقليمية والقانون الدولي، لكنه يحتاج كأداة نفوذ إلى تكامل داخلي واستقرار سياسي واقتصادي لتعزيز تأثيره في ملفات معقدة.
- بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي كيف تقيّمون طبيعة العلاقات بين الجزائر وفرنسا في المرحلة الحالية؟وهل ترون أن هذه العلاقة تسير نحو شراكة متوازنة قائمة على المصالح المشتركة، أم أنها ما تزال رهينة ملفات الذاكرة والتوترات السياسية؟
العلاقة مع فرنسا لا تزال علاقة معقّدة ومثقلة بملفات الذاكرة.نحن نؤمن أن تجريم الاستعمار واجب تاريخي وأخلاقي، لكنه لا يتناقض مع بناء علاقة مستقبلية متوازنة، قائمة على الاعتراف بالحقيقة، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.
الشراكة الحقيقية لا تُبنى على النسيان ولا على التوظيف السياسي، بل على الندية والوضوح.
لقد شهدت العلاقات بين الجزائر وفرنسا تقلبات كبيرة في السنوات الأخيرة، مع أزمات دبلوماسية غير مسبوقة عكّرت العلاقة بين البلدين التي شهدت توتّرات حادة على خلفية ملفات متعددة مثل الخلاف حول الصحراء الغربية،تبادل طرد الدبلوماسيين بين البلدين، قضايا حقوقية واعتقالات أثارت ردود فعل متبادلة.
في 2025، وقبل زيارة وزير الداخلية الفرنسي، بدأت جولة من المساعي لإحياء الحوار والتعاون، شملت زيارات رسمية متبادلة على مستوى وزراء الخارجية، واتفاق على مواصلة الحوار والتعاون في مجالات متعددة، وكذا تفعيل آليات مشتركة في قضايا الأمن والتعاون.
زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر جاءت في سياق سعي لإعادة إطلاق التعاون الأمني والتنسيق المشترك بعد أشهر من الجمود، وهي تركز على تعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الحدود، وبحث ملفات الهجرة والعودة الطوعية للمواطنين غير النظاميين، ومحاولة إعادة بناء “ثقة مؤسساتية” بين الأجهزة الأمنية والسياسية في البلدين.
لكن هذه الزيارة أيضًا تكشف أن العلاقة لا تزال متأثرة بنقاط خلاف جوهرية لم تُحل بالكامل خصوصًا حول ملفات الهجرة والعودة الطوعية التي أثارت توترًا سابقًا.
الحسابات السياسية الداخليّة في فرنسا ترى في الجزائر شريكًا غير مستقر.الإرث التاريخي الإستعماري والذاكرة المشتركة مازال يكتنف كل محاولة للتقارب.
يمكن اعتبار خطوة زيارة وزير الداخلية الفرنسي جزءًا من جهد تدريجي لإعادة ترتيب العلاقات ولكن ما تزال هناك تحديات مؤسساتية وثقة متبادلة غير مكتملة.
والجزائر تؤكد على المساواة والندية، وعدم فرض شروط من طرف واحد في أي حوار. أي إعادة مسار للعلاقة ستظل مرتبطة بقدرة الطرفين على التعامل مع ملفات حساسة (التاريخ، الهجرة، الأمن) من منظور يوازن بين السيادة والمصالح المشتركة.
رغم التوترات الحادة الماضية، هناك محاولات متجددة لإعادة ترتيب العلاقة عبر مؤشرات دبلوماسية بنّاءة (زيارات، حوارات، تنسيق أمني)، لكنها ما تزال محكومة بنقاط خلاف استراتيجية تحتاج لحلول مؤسسية طويلة المدى.
خلاصة وختام هذا الحوار ونشكركم على فتح هذا المنبر للرأي والرأي الأخر، يبقى حزب جيل جديد معارضًا وطنيًا مسؤولًا. لا يُنكر الإيجابي، لا يصمت عن الاختلال، ولا يساوم على الديمقراطية، لأن الجزائر لا تُبنى بالإقصاء، بل بالحوار، ولا تُحصَّن بالقوانين المقيّدة، بل بالثقة، ولا تستقر إلا بدولة قانون في خدمة الشعب.
الدكتور لخضر أمقران رئيس جيل جديد

