هل تستطيع الجزائر أن تعيد صوت العقل إلى الخليج؟
1- مقدمة:
تشهد منطقة الخليج اليوم تصعيداً عسكرياً خطيراً بعد المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. غير أن اختزال ما يجري في مجرد صراع بين أطراف إقليمية متنافسة سيكون قراءة ناقصة لواقع أكثر تعقيداً.
فالحقيقة أن العالم يعيش لحظة تحوّل عميقة في توازناته الدولية، حيث بدأ النظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يفقد قدرته على ضبط الصراعات وفق قواعد القانون الدولي. ومع تراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف، أصبح منطق القوة العسكرية يتقدم على منطق التسوية السياسية.
في هذا السياق، تتحول منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى إلى مسرح للصراع بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع حسابات الطاقة والنفوذ الجيوسياسي.
2- حرب قد تعيد رسم خرائط المنطقة:
التصعيد الحالي لا يهدد فقط أمن الخليج، بل يحمل في طياته احتمال إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فأي مواجهة واسعة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد تؤدي إلى سلسلة من التفاعلات العسكرية والسياسية تمتد إلى عدة جبهات في المنطقة. وإذا خرجت الأمور عن السيطرة، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام حرب إقليمية واسعة يمكن أن تعيد رسم خرائط النفوذ السياسي والعسكري في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى في هذه المنطقة لم تكن مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل كانت دائماً لحظات فاصلة أعادت تشكيل النظام الإقليمي بأكمله.
3-الطاقة، البعد الخفي للأزمة:
إلى جانب البعد العسكري، تحمل الأزمة الحالية أبعاداً اقتصادية واستراتيجية بالغة الخطورة.
فالخليج العربي يشكل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي اضطراب في استقرار هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. إن مجرد التهديد بإغلاق الممرات البحرية الاستراتيجية أو تعطيل تدفق النفط والغاز كفيل بإحداث اهتزازات عميقة في الأسواق العالمية.
وبالنسبة لدول منتجة للطاقة مثل الجزائر، فإن هذه التطورات تحمل مفارقة واضحة. فارتفاع أسعار الطاقة قد يوفر فرصاً اقتصادية قصيرة المدى، لكنه في الوقت نفسه يزيد من هشاشة النظام الاقتصادي العالمي، ويهدد بدخول الاقتصاد الدولي في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
4-سياسة المحاور، مأزق المنطقة:
لقد ساهمت سياسة المحاور التي تصاعدت في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة في تعقيد المشهد الإقليمي. فالعديد من الدول أصبحت منخرطة في تحالفات عسكرية وأمنية تعكس في كثير من الأحيان توازنات القوى الدولية أكثر مما تعكس مصالح شعوب المنطقة. وهذا ما جعل الشرق الأوسط يتحول تدريجياً إلى فضاء مفتوح للصراعات بالوكالة. إن منطق الاصطفاف خلف القوى الكبرى لم يجلب الاستقرار، بل ساهم في تعميق الانقسامات الإقليمية وزيادة احتمالات الانفجار.
5-الجزائر بين الإرث الدبلوماسي وتحديات الحاضر:
في خضم هذه التحولات، يطرح سؤال مهم حول الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر.
فالجزائر تمتلك تاريخاً دبلوماسياً مميزاً جعلها في مراحل مختلفة من تاريخها أحد الفاعلين البارزين في الوساطة الدولية. كما أن سياستها الخارجية قامت تقليدياً على مبادئ الاستقلالية وعدم الانحياز والدفاع عن سيادة الدول. غير أن العالم تغير كثيراً، وأصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه في الماضي.
فالدبلوماسية اليوم لم تعد مجرد بيانات سياسية، بل أصبحت أداة استراتيجية لصناعة التوازنات الدولية.
6-الحاجة إلى استعادة الطموح الدبلوماسي:
إن اللحظة الراهنة قد تمثل فرصة للجزائر كي تستعيد روح المبادرة التي ميزت دبلوماسيتها في مراحل سابقة من تاريخها. فالمنطقة بحاجة إلى أصوات عقلانية تدافع عن الحلول السياسية بدل الانزلاق نحو الحروب. كما أن العديد من الأطراف الدولية تبحث عن قنوات دبلوماسية قادرة على تخفيف التوتر وفتح مسارات للحوار.
وفي هذا السياق، يمكن للجزائر أن تلعب دوراً مهماً عبر الدفع نحو مبادرة دبلوماسية تقوم على وقف التصعيد العسكري، وإطلاق حوار إقليمي حول الأمن في الخليج،و
إعادة الاعتبار للقانون الدولي في تنظيم العلاقات بين الدول
7-الجزائر وصوت الجنوب العالمي:
لكن دور الجزائر لا يجب أن يقتصر على الوساطة بين الأطراف المتصارعة. فالجزائر تمتلك أيضاً شرعية سياسية وتاريخية تجعلها قادرة على الدفاع عن رؤية مختلفة للنظام الدولي. رؤية تقوم على توازن أكبر في العلاقات الدولية واحترام سيادة الدول ورفض منطق الهيمنة. وفي عالم يشهد تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، تزداد الحاجة إلى أصوات تمثل مصالح الجنوب العالمي وتدافع عن نظام دولي أكثر عدلاً.
8-بين منطق الحرب ومنطق السياسة:
إن ما يحدث اليوم في الخليج يذكرنا بحقيقة أساسية:
الحروب تبدأ دائماً عندما تفشل السياسة. لكنها أيضاً تنتهي عندما تعود الدبلوماسية إلى الواجهة.
وفي عالم يندفع بسرعة نحو الاستقطاب والصراع، يصبح صوت الدول التي تؤمن بالحوار أكثر أهمية من أي وقت مضى.
والجزائر، بتاريخها ومكانتها، تستطيع أن تكون أحد هذه الأصوات. لكن ذلك يتطلب شيئاً واحداً أساسياً:استعادة روح المبادرة التي صنعت تاريخ الدبلوماسية الجزائرية.
الدكتور لخضر أمقران
رئيس جيل جديد

