الانتخابات في الجزائر بين أزمة الثقة واختبار الإرادة السياسية

الانتخابات في الجزائر بين أزمة الثقة واختبار الإرادة السياسية

Temps de lecture : 2 minutes
مع اقتراب كل موعد انتخابي، تعود ظاهرة العزوف الانتخابي إلى الواجهة كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه المشهد السياسي الوطني. ولم يعد هذا العزوف مجرد خيار فردي، بل أصبح مؤشراً سياسياً يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما يضعف مصداقية العملية الانتخابية ويطرح تساؤلات جدية حول تمثيلية الهيئات المنبثقة عنها.
ولا تقتصر تداعيات هذا العزوف على السلطة القائمة فقط، بل تمتد أيضاً إلى مجمل الفاعلين السياسيين، وفي مقدمتهم أحزاب المعارضة، التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن إقناع المواطن بالمشاركة في عملية انتخابية يشكك في جدواها؟ وكيف يمكن تحقيق التغيير عبر أدوات لا تحظى بثقته؟
إن تراجع المشاركة السياسية يفتح المجال أمام اختلالات خطيرة، حيث يفرغ الساحة من التمثيل الحقيقي، ويتيح الفرصة أمام قوى قد لا تعكس التوازنات المجتمعية الفعلية، بل قد تستفيد من ضعف الإقبال لتعزيز مواقعها داخل المؤسسات المنتخبة. وهو ما يتعارض مع جوهر الديمقراطية التشاركية التي تقوم على الانخراط الواسع للمواطنين.
لكن، وبعيداً عن التحليل النظري، فإن ما يثير القلق اليوم هو استمرار نفس الممارسات الإدارية التي رافقت الاستحقاقات السابقة، والتي تشكل في حد ذاتها عاملاً إضافياً لتعميق العزوف بدل معالجته.
فمنذ الإعلان عن استدعاء الهيئة الناخبة في 4 أفريل، كان من المفترض أن تكون كل الآليات التنظيمية جاهزة لضمان انطلاقة شفافة وسلسة للعملية الانتخابية. غير أن الواقع يكشف عن تأخر في تعيين المنسقين الولائيين للهيئة المستقلة للانتخابات، وغياب الاستمارات في الوقت المناسب، فضلاً عن التعقيدات البيروقراطية التي تثقل كاهل الأحزاب والقوائم الحرة.
وتزداد حدة هذه الإشكالات على مستوى البلديات، حيث تعاني عملية التصديق على استمارات التوقيعات من اختلالات واضحة. فإلى غاية اليوم، لم يتم في العديد من الحالات تسخير الموظفين المكلفين بهذه العملية، ما أدى إلى توافد المواطنين عدة مرات دون جدوى، وهو ما يثير استياءً متزايداً لدى المكتتبين ويعيد إلى الأذهان ممارسات سابقة ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والإدارة.
إن الأحزاب السياسية والقوائم الحرة، المعنية بجمع التزكيات الضرورية للمشاركة في الانتخابات، تواجه عراقيل ميدانية حقيقية، تتجاوز في بعض الأحيان مجرد التعثر الإداري، لتطرح تساؤلات حول وجود نوايا إقصائية على المستوى المحلي، تسعى إلى التأثير على سير العملية الانتخابية أو إبعاد بعض القوائم غير المرغوب فيها.
إن ضمان نزاهة الانتخابات لا يقتصر على يوم الاقتراع فقط، بل يبدأ من المراحل الأولى للتحضير لها، وعلى رأسها توفير شروط متكافئة لجميع الفاعلين السياسيين، ورفع كل أشكال الضغط أو العرقلة الإدارية التي من شأنها التأثير على مبدأ تكافؤ الفرص.
إن الجزائر اليوم بحاجة إلى انتخابات تعيد الثقة، لا إلى مواعيد شكلية تعمق الشكوك. كما أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في نسبة المشاركة، بل في نوعية هذه المشاركة ومدى تعبيرها عن إرادة شعبية حقيقية.
وعليه، فإن المسؤولية جماعية:
مسؤولية السلطة في ضمان حياد الإدارة وفعالية الهيئات المشرفة.
ومسؤولية الأحزاب في تقديم بدائل جدية تستعيد ثقة المواطن.
ومسؤولية المواطن في عدم ترك الفراغ لغيره ليقرر عنه.
إن بناء مسار ديمقراطي حقيقي يبدأ من انتخابات شفافة، نزيهة، ومفتوحة للجميع دون استثناء أو إقصاء، وهو التحدي الذي يجب أن نرفعه جميعاً إذا أردنا فعلاً الانتقال بالجزائر نحو مرحلة سياسية جديدة أكثر مصداقية واستقراراً.