8 ماي 1945: “الذاكرة الوطنية، ورسالة الانتماء للأجيال الجديدة

8 ماي 1945: “الذاكرة الوطنية، ورسالة الانتماء للأجيال الجديدة

Temps de lecture : 2 minutes

بقلم: الدكتور لخضر أمقران

رئيس حزب جيل جديد

في الثامن ماي من كل سنة، تستحضر الجزائر واحدة من أكثر المحطات مأساوية وحسمًا في تاريخها الوطني الحديث. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بانتصار الحلفاء على النازية سنة 1945، خرج آلاف الجزائريين في سطيف وقالمة وخراطة في مسيرات سلمية يطالبون بالحرية والاستقلال والكرامة، بعد أن ساهم الجزائريون أنفسهم في الحرب العالمية الثانية دفاعًا عن قيم الحرية التي حُرموا منها في وطنهم.

لكن الرد الاستعماري كان دمويًا ووحشيًا. فقد تحولت تلك المظاهرات إلى مجازر رهيبة ارتكبتها القوات الاستعمارية الفرنسية وميليشيات مدنية، وأسفرت عن استشهاد عشرات الآلاف من الجزائريين، في واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في القرن العشرين.

لقد شكّلت مجازر 8 ماي 1945 لحظة قطيعة تاريخية عميقة في الوعي الوطني الجزائري. فمنذ ذلك التاريخ، اقتنع جزء واسع من الحركة الوطنية بأن المطالبة السلمية بالحقوق لن تكون كافية في مواجهة استعمار لا يعترف بحق الشعوب في الحرية، وأن الاستقلال لن يتحقق إلا بالكفاح والتحرر الوطني، وهو ما مهد لاحقًا لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954.

غير أن أهمية هذه الذكرى لا تكمن فقط في بعدها التاريخي أو العاطفي، بل في الرسائل السياسية والحضارية التي تحملها للأجيال الجديدة من الجزائريين.

إن تخليد 8 ماي ليس مجرد استحضار لآلام الماضي، بل هو فعل وعي جماعي يهدف إلى ترسيخ الانتماء الوطني، وصون الذاكرة الجماعية، وبناء علاقة صحية ومتوازنة مع التاريخ. فالأمم التي تنسى تضحياتها الكبرى تصبح أكثر عرضة للتفكك وفقدان المعنى المشترك.

واليوم، في عالم يشهد تحولات جيوسياسية عميقة، وصراعات متسارعة حول الهوية والسيادة والموارد والمعلومات، يصبح من الضروري إعادة ربط الشباب الجزائري بتاريخ بلاده، ليس من باب البكاء على الماضي، وإنما من باب فهم معنى الدولة الوطنية وقيمة الاستقلال وأهمية الوحدة الوطنية.

لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الدول التي تفقد مناعتها الوطنية تصبح ساحة للتدخلات الخارجية والحروب الناعمة والانقسامات الداخلية. ومن هنا، فإن أفضل وفاء لشهداء 8 ماي 1945 ليس فقط في تنظيم الاحتفالات الرسمية، بل في بناء جزائر قوية بديمقراطيتها، متماسكة بمؤسساتها، عادلة بين أبنائها، وواثقة في شبابها.

إن الجيل الجديد من الجزائريين يحتاج اليوم إلى خطاب وطني حديث، عقلاني ومنفتح، يربط بين الذاكرة والتقدم، وبين الوطنية والديمقراطية، وبين السيادة والحرية. فالوطنية الحقيقية ليست شعارات ظرفية، بل هي مشاركة مواطنية، واحترام للقانون، ودفاع عن المصلحة الوطنية، وإيمان بأن الجزائر تستحق الأفضل.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا السياسية والأخلاقية، كفاعلين وكمؤسسات وكمجتمع، تتمثل في نقل الذاكرة الوطنية إلى الشباب بلغة المستقبل، لا بلغة التخويف أو التوظيف الإيديولوجي، حتى تبقى تضحيات الشهداء مصدر وعي ووحدة وأمل، لا مجرد ذكرى عابرة في الروزنامة الوطنية.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.