اللغة الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي في الجزائر: الرهان الحقيقي

Temps de lecture : 3 minutes

مقال رأي

يمثل إدراج اللغة الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي تطورًا مهمًا في المنظومة التعليمية الجزائرية. غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا: هل سيتمكن تلاميذنا فعلًا من التحدث باللغة الإنجليزية عند نهاية مسارهم الدراسي؟

فالرهان الحقيقي لا يكمن في اختيار اللغة، وإنما في مدى فعالية تعلمها. ومع ذلك، فإن هذا القرار يستجيب لواقع لا جدال فيه، وهو أن اللغة الإنجليزية أصبحت اليوم لغة أساسية للمعرفة العلمية، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار، والتبادلات الاقتصادية الدولية.

إن التحدي لا يتمثل في إضافة لغة جديدة إلى البرامج التعليمية، بل في تمكين المدرسة الجزائرية من أن تمنح كل شاب جزائري القدرة الحقيقية على إتقانها، وجعلها أداة للنجاح والاندماج في سوق العمل.

ويقتضي هذا التوجه التفكير بعمق في المناهج البيداغوجية، وتكوين الأساتذة، والحجم الساعي المخصص للتدريس، والوسائل التعليمية، وضمان استمرارية تعلم اللغة من المرحلة الابتدائية إلى غاية التعليم الثانوي والجامعي.

ذلك أن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها نظامنا التربوي لم تكن يومًا في اختيار اللغة، وإنما في فعالية تعلمها. ويكمن الخطر في إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي عرفناها في الماضي، من خلال تعليم قائم على حفظ القواعد والمفردات، دون التركيز الكافي على الممارسة والاستعمال الفعلي للغة.

إن السياسة اللغوية الحديثة ينبغي أن تستهدف تحقيق كفاءة حقيقية لدى المتعلم، تمكنه من الفهم والتواصل، والوصول إلى مصادر المعرفة، والعمل في بيئة دولية.

فالجزائر بحاجة إلى باحثين قادرين على الوصول إلى المعرفة العالمية، كما تحتاج إلى تقنيين ومقاولين ومهندسين وعمال مؤهلين يستطيعون الاندماج في اقتصاد منفتح. ومن ثم، أصبحت إتقان اللغات أحد أهم عوامل قابلية التوظيف.

من أجل سياسة لغوية تخدم الكفاءات والتشغيل

إن تعميم تدريس اللغة الإنجليزية ابتداءً من المرحلة الابتدائية لن يحقق النتائج المرجوة إلا إذا جاء في إطار إصلاح شامل، يقوم على اختيارات واضحة وأهداف قابلة للقياس.

1- الانتقال من التعليم النظري إلى التعليم التطبيقي.

لا ينبغي أن يقتصر دور التلميذ على حفظ القواعد النحوية، بل يجب أن يكون قادرًا على الفهم والتعبير واستعمال اللغة في مختلف الوضعيات.

2- الاستثمار في تكوين الأساتذة.

فلا يمكن لأي إصلاح لغوي أن ينجح دون أساتذة يتمتعون بتكوين كافٍ ومستمر.

3- التقييم على أساس الكفاءات وليس على أساس المسار الدراسي.

ينبغي أن يتمكن التلاميذ من تقييم مستواهم الحقيقي من خلال شهادات مرحلية ومعايير شفافة. كما يتعين على الجزائر تحديد هدف وطني لمستوى الكفاءة اللغوية الواجب بلوغه عند نهاية المسار الدراسي.

فعند نهاية المرحلة الثانوية، ينبغي أن يكون كل تلميذ قادرًا على بلوغ مستوى معترف به دوليًا. فالشهادة يجب أن تثبت القدرة الفعلية على استعمال اللغة، لا مجرد متابعة الدراسة.

4- ربط تعلم اللغات باحتياجات الاقتصاد.

لم يعد إتقان اللغات مجرد رصيد ثقافي، بل أصبح استثمارًا في الرأسمال البشري للدولة وعاملًا من عوامل التنافسية الاقتصادية.

وبالنسبة للطالب أو المهندس أو المقاول، ينبغي أن تصبح اللغة الإنجليزية أداة عمل مرتبطة بالتخصصات العلمية والتكنولوجية والمهنية، لا مادة دراسية معزولة.

وفي قطاعات الصناعة والطاقة والرقمنة والصحة والبحث العلمي، أصبحت إتقان اللغة الإنجليزية عنصرًا أساسيًا في تعزيز تنافسية المؤسسات وكفاءة العاملين فيها.

5- توسيع فرص التعرض للغة خارج القسم.

ينبغي أن يصبح الوصول إلى الموارد الرقمية، والمحتويات العلمية الدولية، وبرامج التبادل الثقافي، جزءًا طبيعيًا من عملية تعلم اللغة.

6- بناء التكامل لا الإحلال.

إن تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية لا يعني التراجع عن أي لغة أخرى. فالطموح ينبغي أن يكون تمكين الشباب الجزائري من إتقان عدة لغات، وتحويل هذا التعدد اللغوي إلى مصدر قوة في عالم معولم.

فالمدرسة الجزائرية مطالبة بالحفاظ على هويتنا وتاريخنا ولغاتنا، وفي الوقت نفسه تزويد أبنائنا بالأدوات التي تمكنهم من النجاح في عالم أصبحت فيه الكفاءات اللغوية شرطًا أساسيًا للوصول إلى المعرفة، والاندماج في سوق العمل، والمساهمة في الابتكار.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي هو: هل يمنح نظامنا التربوي كل شاب جزائري الوسائل التي تمكنه من فهم العالم، والوصول إلى المعرفة، وبناء مستقبله؟

فالإصلاح التربوي لا يقاس بعدد المواد التي تضاف إلى البرامج، وإنما بقدرته على تمكين الأجيال الجديدة من النجاح. وبهذا فقط يمكن أن يتحول تعليم اللغات من مجرد إصلاح إداري إضافي إلى رافعة حقيقية لتطوير المدرسة الجزائرية وتعزيز قابلية تشغيل شبابها.

وفي اقتصاد يقوم على المعرفة، لم تعد الموارد الطبيعية وحدها كافية. فالثروة الحقيقية لأي أمة هي جودة رأسمالها البشري. لذلك، فإن تكوين شباب قادر على إتقان عدة لغات، وفهم المعرفة، والإبداع، أصبح خيارًا استراتيجيًا بقدر ما هو خيار تربوي.

وعليه، فإن الرهان يتجاوز بكثير مسألة اللغة الإنجليزية وحدها. إنه يتعلق بالسؤال التالي: هل تريد الجزائر تكوين أجيال تكتفي باستهلاك المعرفة المنتجة في أماكن أخرى، أم أجيالًا تساهم في إنتاجها وصنعها؟ وعلى أساس هذه الطموحات سيُقاس، مستقبلًا، نجاح سياستنا التعليمية.

زهير رويس

نائب رئيس حزب جيل جديد

قابة

Recent Posts

العزوف سببه أزمة ثقة.. والجزائر بحاجة إلى إعادة فتح المجال السياسي

بعد أيام قليلة من إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، وبين خطاب رسمي يتحدث عن "استحقاق…

3 أسابيع ago

5 جويلية 1962 – 5 جويلية 2026

يظل الخامس من جويلية 1962 أحد أقدس التواريخ في تاريخنا الوطني. ففي ذلك اليوم، انتزع…

4 أسابيع ago

رسالة إلى عائلة جيل جديد وإلى كل المواطنات والمواطنين

أخواتي المناضلات، إخوتي المناضلين، مترشحات ومترشحي جيل جديد، وكل المواطنات والمواطنين الذين منحونا ثقتهم... مع…

4 أسابيع ago

بيان : رفض قائمة جيل جديد في الدائرة الانتخابية رقم 1باريس (إيل دو فرانس)

رفض قائمة جيل جديد في الدائرة الانتخابية رقم 1 (إيل دو فرانس): قرار غير مفهوم…

شهرين ago

التشريعيات المقبلة في الجزائر: بين إعادة إنتاج الأزمة وإمكانية فتح أفق سياسي جديد

التشريعيات المقبلة في الجزائر: "بين إعادة إنتاج الأزمة وإمكانية فتح أفق سياسي جديد" تتجه الجزائر…

شهرين ago