بمناسبة اليوم الوطني للطالب، المخلّد لذكرى 19 ماي 1956، التاريخ المجيد لإضراب الطلبة الجزائريين المنضوين تحت لواء الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA)، الذين اختاروا الالتحاق بكفاح الشعب من أجل الاستقلال الوطني، يصبح من واجبنا اليوم أن نتساءل، بكل وعي ومسؤولية، عن معنى الجامعة ومعنى الالتزام الطلابي في وقتنا الراهن.
كان يفترض أن تكون المدرسة والجامعة الفضاء الأمثل لتكوين النساء والرجال الأحرار، ولإنتاج الأفكار، وتجديد العقول، وتحرير الوعي. غير أن الواقع يبين أنهما لا تزالان تكافحان من أجل أداء هذه الرسالة الأساسية على أكمل وجه.
ففي مجتمع يحمل في داخله مقومات التعددية والنقاش والانفتاح، ما تزال الفضاءات التعليمية في كثير من الأحيان خاضعة لمنطق إيديولوجي جامد، بعيد عن متطلبات العقلانية والحداثة والحرية الفكرية.
ولا تزال الكفاءات والعقول تُهمَّش أحيانًا، إن لم تُواجَه مباشرة بالتثبيط والإقصاء. كما يُنظر في كثير من الأحيان إلى الفكر النقدي باعتباره تمردًا، بدل اعتباره ثروة ضرورية لكل مجتمع يطمح إلى التقدم.
إن آثار هذا الإخفاق أصبحت واضحة للعيان: رؤية ضيقة للوطن، قراءة مجزأة لتاريخنا، خوف من الانفتاح على العالم، وأحيانًا تنامي خطابات التعصب التي تختلط فيها اللغة بالدين بالهوية بالسياسة.
فعندما تتوقف الجامعة عن أداء دورها كفضاء للمعرفة والنقاش، تصبح عرضة للانغلاق الفكري ولإعادة إنتاج الأفكار بشكل آلي. وعندما يُحاصَر التفكير الحر داخل المجتمع، فإن ذلك يعرّضه لخطر التخلف عن ركب المعرفة والابتكار والتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر.
إن الجزائر اليوم بحاجة إلى مدرسة وجامعة تحرران العقول، وتحفزان الإبداع، وتثمنان العلم، وتشجعان الشك البنّاء، وتفتحان الأجيال الجديدة على القيم الكونية دون أن تفصلها عن هويتها الوطنية.
لقد حان الوقت للنظر إلى المدرسة والجامعة باعتبارهما فضاءين للمعرفة والعقلانية والانفتاح، لا كأدوات للتحكم في العقول أو لتسييس المعرفة.
غير أن هذا الطموح لا يمكن أن يتحقق دون ديمقراطية، ودون حرية أكاديمية، ودون تعددية، ودون احترام الفكر النقدي.
إن طلبة الجزائر سنة 2026 يتحملون اليوم مسؤولية تاريخية تتمثل في إحياء إرث طلبة 19 ماي 1956، ليس فقط من خلال استحضار الذاكرة، بل عبر استرجاع مكانة المعرفة، والمواطنة، والحرية الفكرية.
فالجزائر القادمة لا يمكن أن تُبنى دون شباب متعلم، حر، منفتح على العالم، وقادر على التفكير بنفسه.
الدكتور لخضر أمقران
رئيس حزب جيل جديد
