تأتي مسألة الجنسية في صميم العقد السياسي بين الدولة والمواطنين. فهي لا تنتمي إلى مجال العاطفة ولا إلى منطق الارتياب، بل هي خيار استراتيجي يحدد الكيفية التي تتصور بها الأمة نفسها عبر الزمن، وفي الفضاء، وفي علاقتها بالعالم.
إن مشروع القانون الذي يعدّل قانون الجنسية الجزائرية، والمطروح حاليًا للنقاش، يهدف إلى تعزيز الربط بين الجنسية والولاء الحصري.
وإذا كان الهدف المعلن المتمثل في الحفاظ على السيادة الوطنية هدفًا مشروعًا، فإن الوسائل المقترحة تثير تساؤلات سياسية وقانونية واستراتيجية جدية، ولا سيما فيما يتعلق بالمواطنين الجزائريين مزدوجي الجنسية من أبناء الجالية في الخارج.
الجالية الجزائرية في الخارج حقيقة تاريخية وبنيوية. فقد تشكّلت عبر موجات الهجرة، والمسارات الفردية، والضغوط الاقتصادية والسياسية.
واليوم، تمثل هذه الجالية عدة ملايين من المواطنين المرتبطين بعمق بالجزائر، وفي الوقت نفسه المندمجين اندماجًا كاملًا في مجتمعات إقامتهم. إن النظر إليهم من زاوية الشبهة أو الولاء المشروط يعني تجاهل هذه الحقيقة وإضعاف رابط هو أصلًا هش.
ومن خلال إقرار آليات لفقدان الجنسية أو إسقاطها على نحو مرتبط بازدواج الجنسية، يُدخل مشروع القانون حالة مقلقة من انعدام الأمن القانوني.
إذ يحوّل الانتماء الوطني إلى وضع قابل للرجوع عنه، خاضع لتأويل إداري أو سياسي. ومن شأن هذا المنطق القائم على تعميم الشك تجاه ازدواج الجنسية أن يؤدي إلى نتيجة عكسية للهدف المعلن. فعلى المدى البعيد، قد تُثنى أجيال كاملة عن الاحتفاظ بالجنسية الجزائرية أو نقلها إلى أبنائها.
غير أن السيادة الوطنية لا تتعزز بالإقصاء أو بجعل المواطنة مشروطة. بل تتوطد بوضوح القواعد، وبالمساواة أمام القانون، وبقدرة الدولة على تعبئة جميع طاقاتها، بما في ذلك تلك التي تعيش خارج حدودها.
ومن ثمّ يصبح من الضروري تجاوز التقابل المصطنع بين السيادة وازدواج الجنسية. فهما ليسا متناقضين، شريطة اعتماد مقاربة متوازنة، قائمة على القانون لا على انعدام الثقة.
ومن الممكن تمامًا التوفيق بين السيادة والإدماج، وبين صرامة الدولة والاعتراف بتعدد المسارات.
في عالم معولم، لم تعد ازدواج الجنسية استثناءً، بل صارت واقعًا بنيويًا. والتعامل معها بوصفها انحرافًا قانونيًا يعني تجاهل التحولات العميقة التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.
ويمكن لإصلاح بديل لقانون الجنسية أن يستند إلى عدة مبادئ بسيطة. أولًا، الاعتراف الصريح بازدواج الجنسية بوصفها وضعًا قانونيًا مشروعًا، لا يترتب عليه شك تلقائي ولا عقوبة ضمنية. فالولاء للأمة لا يُقاس بعدد جوازات السفر، بل بالأفعال وباحترام القانون.
كما يمكن تأطير حالات فقدان الجنسية أو إسقاطها تأطيرًا صارمًا، وحصرها في أوضاع استثنائية محددة بوضوح: الجرائم الخطيرة ضد الدولة، والإرهاب، والتجسس، والخيانة الثابتة، وذلك بناءً على أحكام قضائية نهائية، وفي إطار احترام حقوق الدفاع. فلا ينبغي أن تتحول الجنسية إلى أداة سياسية أو إدارية.
ومن الممكن أيضًا حماية المصالح الاستراتيجية للدولة دون إقصاء مزدوجي الجنسية على نحو شامل، من خلال إقرار حالات عدم توافق محددة لبعض الوظائف السيادية الحساسة. وهذه الممارسة معمول بها في دول كثيرة، وتتيح التوفيق بين الأمن القومي والمساواة في المواطنة.
وأخيرًا، من الضروري ضمان نقل الجنسية إلى أبناء الجالية في الخارج، دون إلزامهم عند بلوغهم سن الرشد بخيار هوياتي مصطنع. فالأمة تُبنى على المدى الطويل؛ وقطع الرابط بين الأجيال طوعًا سيكون خطأً ذا عواقب لا رجعة فيها.
وبعيدًا عن الأحكام القانونية، فإن رسالة سياسية هي موضع الرهان. فالجزائر بحاجة إلى جاليتها في الخارج، ليس فقط لإسهاماتها الاقتصادية، بل أيضًا لرصيدها البشري والثقافي والرمزي. إن إبقاءها على مسافة أو حبسها داخل مواطنة مشروطة يعني حرمان البلاد من رصيد استراتيجي كبير.
إن إصلاح قانون الجنسية أمر مشروع. لكن إنجازه ضمن منطق الإدماج والثقة وتقاسم المسؤولية أمر لا غنى عنه. لأن الأمة القوية هي التي تجمع مواطنيها، أينما كانوا، حول مشروع مشترك قائم على القانون والمساواة والكرامة.
زهير رويس نائب رئيس الحزب.

