بقلم الدكتور لخضر أمقران
رئيس “جيل جديد”
مع الضربات التي استهدفت إيران، منذ ثلاث أسابيع يدخل العالم في المجهول.
ما يجري اليوم ليس حربًا إضافية في الشرق الأوسط، بل هو منعطف تاريخي. لحظة يدفع فيها الأقوياء، بدل الحفاظ على السلام، نحو إشعال المنطقة عن عمد. لقد أُشعلت النار، وكالعادة سيدفع الشعوب والأبرياء الثمن.
لنقلها بوضوح: وراء الهجوم على إيران توجد إرادة معلنة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. رؤية خطيرة قائمة على الهيمنة والتوسع وإنكار سيادة الشعوب. بل إن البعض نظّر لإعادة رسم خريطة المنطقة لصالح مشروع هيمني لا يجرؤ على إعلان اسمه.
لكن التاريخ لا يرحم: حروب الهيمنة تنتهي دائمًا بخروجها عن سيطرة من أشعلها.
اليوم، كل المؤشرات تدل على أن هذا المخطط قد ينقلب على أصحابه. المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل غير قابلة للضبط. قد تظهر تحالفات جديدة، غير متوقعة وقوية، قادرة على قلب موازين القوى بالكامل. تقارب بين قوى إقليمية كبرى، مدعوم بقدرات استراتيجية جديدة، لم يعد أمرًا مستبعدًا. أنظمة قد تهتز، وأخرى قد تعيد تموضعها. والذين ظنّوا أنهم يتحكمون في إيقاع الأحداث قد يفقدون السيطرة.
فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط لم تعد فرضية، بل أصبحت واقعًا قيد التشكّل. لكن لا شيء يضمن أنها ستسير في الاتجاه الذي يريده من أشعلوا الحريق.
في هذا الفوضى الناشئة، تبرز حقيقة واضحة: العالم العربي الرسمي يعيش مرة أخرى حالة انفصال عن تاريخه وعن شعوبه. موقف جامعة الدول العربية ليس فقط غير كافٍ، بل هو إشكالي بعمق. موقف جزئي، خجول، ويتماشى عمليًا مع منطق العدوان على دولة ذات سيادة.
لماذا هذا الانفصال الدائم؟ ولماذا هذا العجز عن تبنّي موقف مستقل، كريم، منسجم مع تطلعات الشعوب؟
في المقابل، تخلّى جزء من الإعلام الغربي نهائيًا عن أي ادعاء بالموضوعية. فمن خلال تعيين مذنب واحد بشكل منهجي، وتجاهل المسؤوليات الحقيقية، أصبح أداة في سردية حرب. سردية تبرر ما لا يمكن تبريره وتُطبع التصعيد.
أما أوروبا، فهي تدفع بالفعل ثمن تناقضاتها. فهي تعلم أن هذه الحرب غير شرعية، وتعلم أنها خطيرة، ومع ذلك تتردد وتناور وتتماهى جزئيًا. هذا الخيار سيكلفها غاليًا: سياسيًا، اقتصاديًا وأخلاقيًا. فلا يمكن الدفاع عن القانون الدولي بمعايير مزدوجة دون دفع الثمن.
أما الولايات المتحدة وإسرائيل، فعليهما أن تدركا حقيقة أساسية: فتح جبهة ضد إيران ليس نزاعًا تقليديًا، بل هو مخاطرة بإشعال شامل لا يمكن التحكم فيه، ولا يمكن لأحد التنبؤ بنهايته.
وفي مثل هذه الحروب، لا يوجد منتصر حقيقي.
عدة سيناريوهات باتت ممكنة:
استنزاف طويل ومدمّر يُرهق المنطقة؛
تصعيد كبير مع توسّع مباشر للنزاع؛
إعادة تشكيل جيوسياسية عميقة تُهمّش بعض الأطراف وتعزّز أخرى؛
أو ارتداد استراتيجي يتحمّل فيه من أشعلوا الحرب أثقل العواقب.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال مركزي: هل سنبقى متفرجين عاجزين أمام هذا الدمار، أم نفرض بديلاً سياسيًا؟
الحل المسؤول الوحيد هو الحل الدبلوماسي. ولما لا مبادرة سياسية حقيقية تقوم على التزامات واضحة، كرفض مطلق لانتشار السلاح النووي العسكري؛
ورفع نهائي وقابل للتحقق للعقوبات على إيران؛وضمانات أمنية ملموسة لدول المنطقة، خاصة لبنان؛واحترام صارم لسيادة الدول والقانون الدولي.
هل هذا ممكن اليوم؟ الحقيقة: لا، ليس فورًا. منطق الحرب لا يزال مهيمنًا. لكن كلما طال أمد النزاع، ستفرض هذه الحلول نفسها كضرورة.
السؤال إذن ليس: هل سيظهر حل سياسي؟
بل: كم عدد الأرواح التي يجب أن تُزهق قبل أن يُفرض هذا الحل؟
العالم يقف عند مفترق طرق:
إما أن تنتصر منطق القوة، مع خطر فوضى دائمة،
أو يستعيد العالم معنى المسؤولية الجماعية.
موقفنا واضح:
نرفض قانون الأقوى.
نرفض حروب الهيمنة.
نرفض أن تكون الشعوب ضحايا صامتة لحسابات جيوسياسية باردة.
لا يزال بالإمكان تفادي الأسوأ.
لكن الوقت ينفد.

