روسيا لا تبحث عن حلفاء، بل عن شركاء استراتيجيين

Temps de lecture : 2 minutes

في عالم يشهد تحوّلات متسارعة، تعيد روسيا رسم تحالفاتها — الجزائر شريك استراتيجي بمنطق المصالح

بقلم سمير شريفي – يوليو 2025

في عالم تتغيّر فيه التّحالفات بتأثير الأزمات، يبدو أنّ روسيا دخلت مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية. لم تعد موسكو تطلب الولاء المطلق من شركائها التّقليديين، بل تبنّت نهجًا واقعيًا يقوم على الدّفاع عن مصالحها، الحفاظ على نفوذها، وبناء شراكات على أسس واضحة المعالم. وفي إطار هذه الرؤية الاستراتيجية الجديدة، تحظى الجزائر بمكانة خاصة.

فبعد أن كانت روسيا تتمسّك بشبكة من الحلفاء الدائمين، خصوصًا في الفضاء ما بعد السّوفييتي، بدأت تراجع حساباتها. فقد دفعتها التّحولات السّياسية في دول الجوار، والمواقف الملتبسة لبعض الشّركاء بشأن الحرب في أوكرانيا، إضافةً إلى تنامي نفوذ قوى إقليمية أخرى، إلى إدراك أن التّحالفات الثابتة لم تعد ضمانًا كافيًا.

وهكذا ظهرت العقيدة الجديدة لروسيا: “الاعتماد على الذّات”، وبناء تعاونات مرنة وفقًا لتقاطع المصالح. في هذا السّياق، تظل الجزائر شريكًا استراتيجيًا لروسيا، خاصة في منطقة شمال إفريقيا. حيث ترتبط البلدان بعلاقات تاريخية في مجالات الدّفاع، الطّاقة، والدبلوماسية، تعود إلى عقود. إلا أنّ موسكو لم تعد تسعى إلى احتكار هذه العلاقة، بل تُبدي احترامًا وتقديرًا لسياسة الجزائر الخارجية المستقلة، التي ترفض منطق الانحياز.

ولذلك، لم تعد روسيا تعتبر الجزائر حليفًا تلقائيًا، بل شريكًا سياديًا يمكن بناء علاقة مستقرة ومفيدة معه، مبنية على المصالح المشتركة: مثل الأمن الإقليمي، التّعاون في مجال الطّاقة، والتّنسيق في ملفات ليبيا، السّاحل الإفريقي، وغيرها.

ويتقاسم البلدان تصورًا مشتركًا لعالم متعدّد الأقطاب، يقوم على احترام سيادة الدّول ومبدأ عدم التّدخل. ومن جانبها، يمكن للجزائر أن تعزّز دورها الدبلوماسي في منطقة المتوسط وإفريقيا، وتزيد من تأثيرها الإقليمي. أمّا روسيا، ورغم تأثير العقوبات الغربية، فإنها تواصل جهودها لتوسيع نفوذها خارج أوروبا.

وتستند هذه الشّراكة اليوم إلى مبدأ التّكامل: حيث توفّر موسكو خبراتها العسكرية والتكنولوجية، بينما تقدّم الجزائر شبكتها الإقليمية وقدراتها في الوساطة. ويتجنب الطرفان الخطابات الإيديولوجية، ويفضّلان المشاريع العملية والمواقف المنسّقة في الساحات الدولية.

في مرحلة ما بعد عام 2022، لم تعد روسيا تسعى إلى بناء تحالفات جامدة، بل إلى علاقات استراتيجية مرنة، قائمة على الاحترام المتبادل وتوافق المصالح. والجزائر، التّي ظلّت متمسّكة بمبدأ عدم الانحياز، تمثّل نموذجًا مثاليًا لهذا التوجه. وعليه، فإنّ علاقتهما ليست صاخبة أو استعراضية، لكنّها ترتكز على استقرار هادئ، قائم على تاريخ مشترك، ومدعوم بتقارب في الرؤى، ومتكيّف مع واقع نظام دولي يعاد تشكيله.

قابة

Recent Posts

بيان المجلس الوطني : من خيبة الأمل إلى الالتزام

المجلس الوطني لحزب جيل جديد الدورة العادية الحادية والثلاثون الجزائر، 5 سبتمبر 2026 من خيبة…

3 أيام ago

اللغة الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي في الجزائر: الرهان الحقيقي

مقال رأي يمثل إدراج اللغة الإنجليزية ابتداءً من السنة الثالثة من التعليم الابتدائي تطورًا مهمًا…

1 شهر ago

العزوف سببه أزمة ثقة.. والجزائر بحاجة إلى إعادة فتح المجال السياسي

بعد أيام قليلة من إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، وبين خطاب رسمي يتحدث عن "استحقاق…

شهرين ago

5 جويلية 1962 – 5 جويلية 2026

يظل الخامس من جويلية 1962 أحد أقدس التواريخ في تاريخنا الوطني. ففي ذلك اليوم، انتزع…

شهرين ago

رسالة إلى عائلة جيل جديد وإلى كل المواطنات والمواطنين

أخواتي المناضلات، إخوتي المناضلين، مترشحات ومترشحي جيل جديد، وكل المواطنات والمواطنين الذين منحونا ثقتهم... مع…

شهرين ago