حول التعديلات الدستورية المسماة «تقنية»

Temps de lecture : 3 minutes

بقلم زهير رويس

نائب رئيس جيل جديد

ليس الدستور مجرد دليل لتنظيم الإدارة، بل هو عقد سياسي يشكّل الأساس الذي يقوم عليه توازن السلطات والثقة بين الحاكم والمحكوم. وتعديله لا يمكن أن يكون أبداً عملاً محايداً.

تُقدَّم التعديلات الدستورية الاثنا عشر المعتمدة على أنها مجرد تعديلات تقنية، غير أنها في الواقع تعكس خيارات سياسية كبرى، ذات آثار عميقة على التوازن المؤسسي والتعددية الديمقراطية والثقة بين الحاكم والمحكوم. إن اعتمادها بشكل متسارع، ودون نقاش وطني حقيقي، شفافٍ وتعددي، يثير أكثر من تساؤل. فالمشكلة لا تكمن في المضمون فقط، بل أيضاً في المنهجية التي تُضعف من شرعية هذه الإصلاحات.

إن تعديل الدستور لا يمكن أن يكون عملية تُدار في الخفاء أو تُحصر في دائرة ضيقة من الفاعلين في المؤسسات. فالقواعد الأساسية التي تنظم الحياة العامة تُلزم الأمة على المدى الطويل، وتستوجب نقاشاً مفتوحاً وتعددياً وشاملاً. وفي غياب ذلك، يتسلل الشك: شكّ في أن هذه الإصلاحات لم تُصمَّم لخدمة المصلحة العامة، بل لتحقيق توازنات سياسية ظرفية.

من حيث المضمون، تُدخل عدة تعديلات تحوّلات ملموسة في توزيع السلطات.

أول هذه التحولات يتمثل في تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، إذ إن منح الرئيس صلاحية الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة، وبالتالي حلّ المجالس المنتخبة، يشكّل توسعاً ملحوظاً في مجال تدخله في الحياة السياسية المحلية.

أما التحول الثاني فيتعلق بإضعاف السلطة التشريعية، فمن خلال تمكين السلطة التنفيذية من الفصل في الخلاف بين غرفتي البرلمان، عبر اختيار الغرفة التي تفصل نهائياً في المسألة، يتم المساس بعمق بتوازن المؤسسة البرلمانية وبالمسار التشريعي. وهكذا يجد البرلمان نفسه، في وظيفته التداولية والتشريعية، في وضعية تبعية متزايدة تجاه السلطة التنفيذية.

ويطال التحول الثالث استقلالية القضاء، إذ إن تقليص دور المجلس الأعلى للقضاء في مسار تعيين القضاة، لصالح رئيس الجمهورية، لا يعزز مصداقية المؤسسة القضائية، بل يطرح إشكالية ارتباط آليات التعيين بشكل أوثق بالسلطة التنفيذية.

وأخيراً، فإن مدة عهدة ثاني شخصية في الدولة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها مجرد مسألة تقنية، فهي تمسّ مباشرة بهندسة السلطة وتوازنها.

إن مجمل هذه العناصر يرسم توجهاً واضحاً نحو إعادة تركيز السلطة بيد الجهاز التنفيذي، وبشكل خاص رئاسة الجمهورية.

وفي هذا السياق، فإن وصف هذه التعديلات بـ«التقنية» يُعَدّ تقليلاً من شأن آثارها الحقيقية، إذ إن انعكاساتها سياسية بامتياز. فهي تعيد رسم حدود استقلالية المؤسسات البرلمانية والقضائية والمحلية، مع تعزيز قدرة السلطة التنفيذية على الفعل.

كما تطرح مسألة الإجراءات نفسها تساؤلات جدية؛ فعندما تمسّ مراجعة دستورية بالتوازنات الأساسية للسلطات، هل يمكن اعتمادها عبر المسار البرلماني وحده؟ إن اللجوء إلى نقاش شعبي أوسع، وربما إلى استفتاء، كان من شأنه أن يمنح هذه التعديلات شرعية أقوى وأكثر انسجاماً مع روح ونص المادة 221 من الدستور.

أما ما يُقدَّم على أنه تعزيز لاستقلالية السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، فيبقى إلى حدّ كبير شكلياً، طالما أن الإدارة تحتفظ بدور محوري في التنظيم المادي للعملية الانتخابية. ففي المسائل الانتخابية، لا يمكن تجزئة الاستقلالية: فهي إمّا كاملة أو غير كافية.

الواقع أن هذه التعديلات، الموصوفة بـ«التقنية»، والتي اعتُمدت خارج أي استفتاء رغم ما تُحدثه من آثار سياسية ملموسة، تعزز من قدرة الجهاز التنفيذي على التحرك، في الوقت الذي تُحكِم فيه تأطير الفضاءات التي يمكن أن تُعبّر فيها الاستقلالية السياسية، سواء كانت برلمانية أو قضائية أو محلية. وبصورة أوسع، فإن هذه الإصلاحات الدستورية، مقترنة بالتعديلات التي طالت قانون الأحزاب وتلك المعلنة بخصوص الجمعيات وقانون الانتخابات، تبدو وكأنها تندرج ضمن انزلاق مقلق يهدف إلى إرساء ديمقراطية داخلية تحت وصاية إدارية، ترمي إلى تأطير المجال السياسي وضبطه، وفي نهاية المطاف إخضاعه.

في المحصلة، فإن هذه المقترحات ليست محايدة ولا بسيطة، إنها تمسّ جوهر توازن السلطات، والمشاركة السياسية، ومصداقية المؤسسات.

وفي العمق، فإن الرهان يتجاوز هذه التعديلات في حد ذاتها، ليطال مفهوم الديمقراطية ذاته. فالإصلاح الدستوري لا يُقاس فقط بمدى فعاليته المفترضة، بل أيضاً بكيفية إعداده واعتماده. إن دستوراً يُعدَّل دون نقاش حقيقي يُضعف الثقة.

وفي سياق يتسم بتراجع الثقة في المؤسسات، ينبغي ألا تكون الأولوية لتعديلات صامتة لقواعد اللعبة، بل لإضفاء الشرعية عليها من خلال النقاش، والإشراك، واحترام التعددية.

فالدستور لا يُعَدّل في صمت، لأن تغييره دون إشراك المواطنين يعني إبعاد الديمقراطية نفسها.

قابة

Recent Posts

الحرب ضد إيران: العالم على حافة الانهيار

بقلم الدكتور لخضر أمقران رئيس "جيل جديد" مع الضربات التي استهدفت إيران، منذ ثلاث أسابيع…

1 أسبوع ago

هل نحن على حافة حرب إقليمية !؟

هل تستطيع الجزائر أن تعيد صوت العقل إلى الخليج؟ 1- مقدمة: تشهد منطقة الخليج اليوم…

3 أسابيع ago

إيران تحت القصف: حرب أخرى باسم الكذب

إيران تحت القصف: حرب أخرى باسم الكذب زهير رويس – نائب رئيس حزب جيل جديد…

4 أسابيع ago

الواقع السياسي و الإقتصادي والحقوقي في الجزائر

-كيف تصفون الواقع السياسي الحالي في الجزائر؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الحياة الحزبية اليوم؟…

1 شهر ago

من الذهب الأسود إلى ذهب الشمس

من الذهب الأسود إلى ذهب الشمس تتأخر الجزائر بشكل كبير في أن تصبح واحدة من…

1 شهر ago

ما وراء استشارة الأحزاب

اختُتمت أشغال لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني حول مشروع القانون العضوي المتعلق…

شهرين ago