المقاطعة ليست حلَا بل تترك الساحة مُغلقةَ

Temps de lecture : 5 minutes

قبل أقل من ثلاثة أشهر عن موعد الانتخابات التشريعية المقررة بتاريخ الـ 2 جويلية 2026، يبرز نقاشٌ حول العملية الانتخابية في ظلّ إصلاحات مست الدستور وقانون الأحزاب والانتخابات الجديد، وتأثيرها على الممارسة الحزبية.

في هذا الحوار يتحدّث نائب رئيس حزب “جيل جديد” زهير رويس عن تحضيرات الحزب للتشريعيات الانتخابية القادمة، فضلًا عن قراءته للتحولات عقب تقنين الممارسة الانتخابية خصوصًا من قانون الانتخابات، ومستقبل التعددية في ظل هذه الإصلاحات.

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، كيف ترون المشهد السياسي الحالي في ظل قانون الانتخابات الجديد؟

في الظاهر يُقدم القانون الانتخابي الجديد على أنه مجرد تعديل تقني يدخل ضمن تحسين آليات تنظيم الانتخابات. غير أنه في الواقع يكشف عن بُعد سياسي واضح، يتمثل أساسًا في تعزيز دور الإدارة داخل المسار الانتخابي من جهة، كما يُدخل معايير إضافية تعمل كترشيحات مسبقة من جهة أخرى.

ومن خلال هذا المنحى؛ فنحن بذلك ننتقل تدريجيًا من منطق يحتكم فيه القرار أساسًا إلى المواطن أو بعبارة أخرى نحن بصدد تحول تدريجي من منطق يقوم على احتكام القرار إلى إرادة الناخب، إلى منطق تصبح فيه الإدارة مساهمة بشكل مباشر أو غير مباشر في تحديد من يحق له الترشح أمام الناخبين.

في ضوء الإصلاحات الأخيرة؛ إلى أي مدى يمكن القول إن هذا القانون يستجيب فعلًا للمتطلبات الديمقراطية؟

في تقديرنا؛ لا يستجيب للتحدي الأساسي المطروح اليوم، وهو مسألة الثقة. لأن الإشكال من وجهة نظرنا لم يعد تقنيًا أو تنظيميًا بقدر ما أصبح سياسيًا بامتياز.

وفي سياق يتسم بقدر من انعدام الثقة، كان من المفترض الاتجاه نحو مزيد من الانفتاح، وتعزيز الضمانات، وتوسيع دائرة الإدماج.

غير أنّ المسار يتجه على العكس من ذلك، نحو مزيد من الرقابة وتشديد الشروط، وتكريس آليات أشبه بالتصفية المسبقة.

هناك طرح آخر يرى أن هذا التوجه محاولة لـ” تنظيف الساحة السياسية” ويظل بدوره محل نقاش أوسع، فكيف تقيمون تأثير القوانين المستجدة في مسألة التعددية السياسية؟

من منظورنا، يميل قانون الأحزاب إلى تأطير التعددية أكثر مما يعززها، إذ يكرّس تدخل الإدارة في حياة الأحزاب، سواء على مستوى تنظيمها الداخلي أو في قدرتها على ممارسة نشاطها بحرية.

ويثير هذا التوجه تخوفات من إمكانية تحويل الأحزاب إلى هياكل مقيدة، أو حتى إلى امتدادات للإدارة، بدل أن تكون فضاءات مستقلة للتعبير وتمثيل المجتمع.

في المقابل، فإنّ هذه الاستقلالية تعتبر الشرط الأساسي لظهور بدائل سياسية حقيقية، تقودها كفاءات سياسية مؤهلة وملتزمة، وقادرة على تقديم إضافة نوعية للمشهد السياسي.

في ظل التحولات التي يشهدها الإطار السياسي والقانوني للعملية الانتخابية، ومن خلال تقييمكم الشامل للإصلاحات الأخيرة، ما هي نقاط القوة ونقاط القصور فيها؟

من الصعب الحديث عن نقاط قوة حقيقية عندما تظل هذه الإصلاحات ذات طابع تقني بالأساس. في المقابل، تبدو نقاط القصور سياسية وعميقة، إذ تندرج هذه الإصلاحات ضمن منطق شامل يقوم على التأطير والفرز والتطبيع.

وبذلك، يتم السعي إلى عقلنة النظام دون الانفتاح الفعلي عليه، غير أنّ المقاربة التقنية، مهما بلغت دقتها لا تكفي وحدها لإنتاج انفتاح سياسي حقيقي.

في هذا السياق؛ كيف تنظرون إلى مسألة تقليص تمثيل النساء في القوائم الانتخابية؟

ينبغي أولًا فهم السياق والأسباب الكامنة وراء هذا التوجه، فالهدف الأولي المتعلق بالمناصفة أو بتعزيز تمثيل النساء لم يتحقق بالشكل المنشود، ويجري اليوم استخدام هذا الإخفاق لتبرير التراجع.

ومن منظورنا، في هذه الجزئية المهمة، لا يعدّ الفشل فشلًا للنساء، بقدر ما هو فشل لسياسة عمومية لم تحضر ولم تُواكب بالشكل الكافي.

تبعًا لذلك، هل يمكن اعتبار هذا التوجه تراجعًا فعليًا في مسار ترسيخ حقوق النساء فيي المجال السياسي؟

بالأساس ذلك مؤشر على ضعف القناعة، فمن غير الممكن تحديد أهداف طموحة دون توفير شروط تحقيقها من التكوين والمرافقة، وتجديد للنخب، وتعزيز الانفتاح داخل الأحزاب.

في الواقع، يكشف هذا التطور أن الالتزام بتمثيل النساء لم يكن يومًا مُتبنّى بشكل كامل. وعليه فعوض معالجة الأسباب وتحليلها بشكل عميق، يتم خفض سقف الطموحات.

في مقابل هذا الرأي، كيف تعملون على ضمان تمثيل فعلي للنساء في المنافسة الانتخابية، بعيدًا عن الطابع الشكلي أو القانوني فقط؟

في حزب “جيل جديد”، اتخذنا خيارًا سياسيًا واضحًا يقوم على العمل الميداني لتعزيز مشاركة النساء ومنحهن المكانة المستحقة لهن، سواء في مواقع المسؤولية أو ضمن القوائم الانتخابية.

بالنسبة لنا، تمثيل النساء ليس التزامًا قانونيًا فقط، بل هو مطلب وركيزة أساسية لأي مسار سياسي وديمقراطي حقيقي.

مع العد التنازلي لتنظيم الانتخابات التشريعية، هل أنتم مستعدون للمنافسة؟

نحن نستعد بجدية ومسؤولية، رغم أنّ البيئة السياسية والقانونية أصبحت أكثر تقييدًا. لكن مشاركة ” جيل جديد” في التشريعيات القادمة، لا يندرج في إطار ردّ فعل انتخابي بسيط أو ظرفي، بل تعبر عن خيار سياسي واعٍ يقوم على البقاء حاضرين في النقاش العام وفاعلين في الساحة السياسية، إضافة إلى الحفاظ على صلتنا بالمواطنين، ومواصلة تقديم بديل سياسي موثوق، مسؤول، وطني وديمقراطي.

نحن ندرك حدود الإطار الحالي، لكننا نرى أن العمل السياسي لا يمكن تعليقه في انتظار توفر ظروف مثالية.

ماهي طموحات الحزب في هذا الاستحقاق السياسي؟

طموحاتنا تجمع بين البعد السياسي والبعد المواطني، فالأمر لا يتعلق فقط بالحصول على مقاعد، بل بإعادة المعنى للالتزام السياسي في سياق يتسم بقدر كبير من فقدان الثقة.

كما نسعى إلى تقديم بديل ذي مصداقية، قائم على المسؤولية، واحترام الحريات، ودعم التنمية وتعزيز التضامن.

لكن هدفنا مزدوج: التواجد والحضور داخل المؤسسات للدفاع عن رؤية ديمقراطية طموحة من جهة، والمساهمة في إعادة بناء جسور الثقة بين المواطنين والحياة السياسية من جهة أخرى.

بالعودة إلى سياقات انتخابات 2021؛ ما أبرز الاختلافات الممكن تسجيلها بالمقارنة مع التشريعيات القادمة؟

يكمن الفرق الرئيسي في السياقات السياسية التي رافقت مسار الحدث الانتخابي، ففي استحقاق 2021، كنا من بين القلة التي دعت المواطنين الراغبين في التغيير إلى الانخراط في العملية الانتخابية، بهدف إدخال روح الحراك إلى المجلس الشعبي الوطني، وتعزيز قيم الديمقراطية والحريات والعدالة داخله.

لكننا، وللأسف، واجهنا آنذاك ليس فقط الدعم التقليدي الدائم للسلطة، بل انتقادات حادة من أطراف اختارت المقاطعة، والتي نراها اليوم تتجه نحو المشاركة.

وفي نهاية المطاف، أفرزت الانتخابات مكونات في المجلس الشعبي الوطني بما هو معروف اليوم من حجم المقاعد والأحزاب التي فازت وقتها وبتركيبته التي تعرفونها، وها نحن بعد خمس سنوات نخوض هذه الانتخابات في سياق مختلف؛ يتسم بتراكم إصلاحات حديثة جعلت الممارسة الديمقراطية أكثر تقييدًا.

فقد شهدنا تعديلات دستورية، وتشديدًا في قانون الأحزاب، وتعديلًا في القانون الانتخابي. وبالرغم من ذلك قد تبدو هذه النصوص منفصلة ذات طابع تقني، لكن قراءتها مجتمعة تكشف عن توجه واضح وعام نحو المزيد من تأطير الحقل السياسي وإعادة فرز تدريجي للفاعلين، بحيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بتغيير قواعد اللعبة، بل على إعادة تعريف من يحق له المشاركة فيها.

عطفا على حديثكم، في ظل سياق سياسي اعتمد على تعدد الإصلاحات، ما الذي يدفع الحزب إلى المشاركة في هذه الانتخابات؟

في تقديرنا الغياب عن العملية الانتخابية لن يؤدي إلا إلى تعزيز المنطق الذي ننتقده كحزب سياسي. وعليه فإنّ المشاركة تعني رفض ترك الساحة السياسية تنغلق على نفسها.

كما نلاحظ اليوم أن بعض الأطراف التي اختارت المقاطعة في 2021 أعادت النظر في موقفها وتلتقي جزئيًا مع هذا التقييم الذي قدمه حزب” جيل جديد”.

إضافة إلى ذلك، فإنّ التعددية لا تُعلن نظريًا فقط، بل تُمارس فعليا على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، نرى أنه حتى في إطار مقيد، كما نعتبر أن من مسؤوليتنا تظل قائمة في تجسيد صوت بديل، مستقل وموثوق وفي مختلف السياقات التي نواجهها.

ما رأيكم في مسألة منع السلطة الوطنية للانتخابات عملية التجوال السياسي للمنتخبين، خاصة أنها أعادت النقاش حول الاستقرار داخل هذه التنظيمات إلى الواجهة؟

من حيث المبدأ، فإن مسألة التجوال السياسي مسألة مشروعة، حيث يمكن لأي ناخب بعد فترة نضال في حزب ما أن يغير الحزب في حال ما إذا رأى أن هذا الحزب لم يعد يستجيب لأفكاره وقناعاته أو لأسباب أخرى منها تنظيمية، وبين الالتزام السياسي مع الناخبين الذين انتخبوه على أساس برنامج سياسي بعينه، فمن الطبيعي السعي للحفاظ على قدر من الانسجام بين التفويض الذي منحه الناخبون والالتزام السياسي للمنتخبين.

غير أن المشكلة هناك لا تكمن في المبدأ بحد ذاته، بل في المعالجة المطروحة التي تثير تساؤلات.

فمن جهة، تعكس توجهًا نحو معالجة إشكاليات سياسية عبر أدوات إدارية وتقييدية. ومن جهة أخرى، قد تؤدي إلى مزيد من تقليص حرية العمل السياسي، دون معالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة.

وعليه، كان من الأجدر تعزيز مصداقية الأحزاب بدلا من اللجوء إلى التقييد، وتحسين الشفافية، وإعادة الاعتبار لمعنى التفويض السياسي.وفي هذا الإطار كان ممكنًا أن تندرج هذه الإجراءات ضمن منطق أوسع يقوم على تأطير وضبط الحقل السياسي.

ما هي أبرز أولوياتكم في هذه المرحلة؟

تندرج أولوياتنا ضمن رؤية شاملة تقوم على استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات والدفاع عن الحريات السياسية وتعزيز الشفافية والمساءلة إلى جانب ترسيخ حوكمة مسؤولة وإعادة الاعتبار للعمل السياسي بوصفه أداة للتعبير والتأثير.

على ماذا تراهنون اليوم، وما الرسالة التي تريدون توجيهها للرأي العام وللناخبين؟

رسالتنا في حزب ” جيل جديد” واضحة: لا تستسلموا لأننا ندرك حجم عدم الثقة، وهو أمر مفهوم، لكن المقاطعة ليست حلًا دائمًا، لأنها تترك المجال مفتوحًا أمام من يريدون نظامًا مغلقًا. المشاركة تعني الاستمرار في الوجود سياسيًا، ورفض ترك الآخرين يقررون وحدهم مستقبلنا المشترك، حتى في سياق غير مثالي، لكل صوت قيمته.

قابة

Recent Posts

بيان المجلس الوطني حول المُشاركة في الانتخابات

بيان المجلس الوطني لحزب جيل جديد الجزائر، 11 أفريل 2026 اجتمع المجلس الوطني لحزب جيل…

يومين ago

مراجعة القانون الانتخابي: القطعة المفقودة في ديمقراطية مُدارة

بقلم زهير رويس نائب رئيس حزب جيل جديد بعد مراجعة الدستور، وبعد تشديد قانون الأحزاب،…

7 أيام ago

حول التعديلات الدستورية المسماة «تقنية»

بقلم زهير رويس نائب رئيس جيل جديد ليس الدستور مجرد دليل لتنظيم الإدارة، بل هو…

أسبوعين ago

الحرب ضد إيران: العالم على حافة الانهيار

بقلم الدكتور لخضر أمقران رئيس "جيل جديد" مع الضربات التي استهدفت إيران، منذ ثلاث أسابيع…

3 أسابيع ago

هل نحن على حافة حرب إقليمية !؟

هل تستطيع الجزائر أن تعيد صوت العقل إلى الخليج؟ 1- مقدمة: تشهد منطقة الخليج اليوم…

1 شهر ago

إيران تحت القصف: حرب أخرى باسم الكذب

إيران تحت القصف: حرب أخرى باسم الكذب زهير رويس – نائب رئيس حزب جيل جديد…

1 شهر ago